تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
ينطلق أصحاب الكرم بالغنم فيصيبوا من ألبانها ومنافعها ، ويقوم أصحاب الغنم على الكرم حتى إذا كان كليلة نفشت فيه دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم ، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم ، فقال داود : القضاء ما قضيت وحكم بذلك . قال النحاس : إنما قضي داود بالغنم لصاحب الحرث ، لأن ثمنها كان قريبا منه ، وأما في حكم سليمان فقد قيل كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء ، قال جماعة من العلماء : إن داود حكم بوحي ، وحكم سليمان بوحي نسخ اللّه به حكم داود ، فيكون التفهيم على هذا بطريق الوحي ، وقال الجمهور : إن حكمهما كان باجتهاد وكلام أهل العلم في حكم اجتهاد الأنبياء معروف وهكذا ما ذكروه في اختلاف المجتهدين ، وهل كل مجتهد مصيب ؟ أو الحق مع واحد ؟ . وقد استدل المستدلون بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب ولا شك أنها تدل على رفع الإثم عن المخطىء ، وأما كون كل واحد منهما مصيبا فلا تدل عليه هذه الآية ولا غيرها بل صرح الحديث المتفق عليه في الصحيحين « 1 » وغيرهما « أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر » فسماه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فكيف يقال إنه مصيب لحكم اللّه موافق له فإن حكم اللّه سبحانه واحد لا يختلف باختلاف المجتهدين ، وإلا لزم توقف حكمه عز وجل على اجتهادات المجتهدين واللازم باطل فالملزوم مثله . وأيضا يستلزم أن تكون العين التي اختلف فيها اجتهاد المجتهدين بالحل والحرمة حلالا وحراما في حكم اللّه سبحانه ، وهذا اللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله ؛ وأيضا يلزم أن حكم اللّه سبحانه لا يزال يتجدد عند وجود كل مجتهد ، له اجتهاده في تلك الحادثة ، ولا ينقطع ما يريده اللّه سبحانه فيها إلا بانقطاع المجتهدين ، واللازم باطل فالملزوم مثله . والحاصل أن المجتهدين لا يقدرون على إصابة الحق في كل حادثة ، لكن لا يصرون على الخطأ كما رجع داود هنا إلى حكم سليمان لما ظهر له أنه الصواب . وقد أوضح الشوكاني هذه المسألة بما لا مزيد عليه في القول المفيد وأدب الطلب ، فمن أحب الوقوف على تحقيق الحق فليرجع إليهما وإلى المؤلف الذي سميناه حصول المأمول من علم الأصول ، وإلى كتابنا الجنة في الأسوة الحسن بالسنة ، ففيهما ما يغني عن غيرهما .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 20 ، 21 ، ومسلم في الأقضية حديث 15 ، وأبو داود في الأقضية باب 2 ، والنسائي في الأحكام باب 2 ، والقضاة باب 3 ، وابن ماجة في الأحكام باب 3 ، وأحمد في المسند 4 / 198 ، 204 ، 205 .