تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا ، ولكن اللّه حمد هذا بصوابه وأثنى على هذا باجتهاده . وقال مجاهد : كان هذا صلحا وما فعله داود كان حكما والصلح خير ، فإن قلت فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داود وسليمان في هذه الشريعة المحمدية والملة الإسلامية ؟ . قلت قد ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من حديث البراء أنه شرع لأمته أن على أهل الماشية حفظها بالليل ، وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار ، وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها « 1 » ، وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عنها أو قيمته وقد ذهب جمهور العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث . وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ وأن البهائم إذا أفسدت زرعا في ليل أو نهار لا يلزم صاحبها شيء ، وأدخلوا فسادها في عموم قول النبي : « جرح العجماء جبار » « 2 » ؛ قياسا لجميع أفعالها على جرحها . ويجاب عنه بأن هذا القياس فاسد الاعتبار لأنه في مقابلة النص . ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يضمن رب الماشية ما أفسدته من غير فرق بين الليل والنهار ويجاب عنه بحديث البراء ، وقد بسط الشوكاني رحمه اللّه الكلام عليه في شرحه للمنتقى ، ومما يدل على أن هذين الحكمين من داود وسليمان كانا بوحي من اللّه سبحانه لا باجتهاد ، قوله :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
.
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
فإن اللّه سبحانه أخبرنا بأنه أعطى كل واحد منهما هذين الأمرين وهما إن كانا خاصين فصدقهما على هذه القضية التي حكاها اللّه سبحانه عنهما مقدم على صدقهما على غيرهما ، وإن كان عامين فهذا الفرد من الحكم والعلم ، وهو ما وقع من كل واحد منهما في هذه القضية أحق أفراد ذلك العام بدخوله تحته ودلالته عليه . ومما يستفاد من ذلك دفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان بالتفهيم من عدم كون حكم داود حكما شرعيا ، أي وكل واحد منهما أعطيناه حكما وعلما كثيرا ، لا سليمان وحده ، ولما مدح داود وسليمان على سبيل الاشتراك ذكر ما يختص بكل واحد منهما فبدأ بداود فقال :
هامش
( 1 ) أخرجه مالك في الأقضية حديث 37 ، وأحمد في المسند 5 / 436 . ( 2 ) يروى الحديث بلفظ : « العجماء جرحها جبار » . وقد أخرجه البخاري في الديات باب 28 ، ومسلم في الحدود حديث 45 ، 46 ، وأبو داود في الديات باب 27 ، والترمذي في الأحكام باب 37 ، والزكاة باب 16 ، والنسائي في الزكاة باب 28 ، وابن ماجة في الديات باب 27 ، والدارمي في الزكاة باب 30 ، والديات باب 19 ، ومالك في العقول حديث 12 ، وأحمد في المسند 2 / 239 ، 254 ، 285 ، 319 ، 415 ، 454 ، 456 ، 475 ، 501 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 424 | صديق الحسيني القنوجي البخاري