تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
وَسَخَّرْنا
التسخير التكليف للعمل بلا أجرة ، وسخره تسخيرا كلفه عملا بلا أجرة ، والمراد هنا التذليل أي ذللنا
مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ
التسبيح إما حقيقة أو مجاز ، وقد قال بالأول جماعة وهو الظاهر ، وذلك أن داود كان إذا سبح سبحت الجبال معه . وقيل إنها كانت تصلي معه إذا صلى . قاله قتادة ، وهو معنى التسبيح . وقال بالمجاز جماعة آخرون ، وحملوا التسبيح على تسبيح من رآها تعجبا من عظيم خلقها وقدرة خالقها . وقيل كانت الجبال تسير مع داود حيث سار ، وكان من رآها سائرة معه سبح ، والظاهر وقوع التسبيح منها بالنطق ، خلق اللّه فيها الكلام كما سبح الحصى في كف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسمع الناس ذلك ، وكان داود هو الذي يسمع وحده . قاله أبو حيان .
وَ
كذا سخرنا
الطَّيْرَ
للتسبيح معه
وَكُنَّا فاعِلِينَ
ما ذكر من التفهيم وإيتاء الحكم والتسخير ، وقدم الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق وهو جمع طائر ، وجمع الطير طيور وأطيار ، ويقع الطير على الواحد والجمع . وقال ابن الأنباري : الطير جماعة وتأنيثها أكثر من التذكير ، ولا يقال للواحد طير بل طائر ، وقلما يقال لأنثى طائرة .
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ
اللبوس عند العرب السلاح كله ، درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا ، والمراد في الآية الدروع خاصة ، وهو بمعنى الملبوس كالركوب والحلوب ، قيل أول من صنع الدروع وسردها واتخذها حلقا داود عليه السلام ، وكانت من قبل صفائح ؛ قالوا إن اللّه ألان الحديد لداود عليه السلام بأن يعمل منه بغير نار كأنه طين ، والدرع يجمع بين الخفة والحصانة ، وهو قوله
لِتُحْصِنَكُمْ
بالفوقية بإرجاع الضمير إلى الصنعة أو إلى اللبوس بتأويل الدرع أي لتمنعكم ، وقرىء بالنون بإرجاع الضمير إليه سبحانه ؛ وقرىء بالياء بإرجاع الضمير إلى اللبوس أو إلى داود أو إلى اللّه سبحانه
مِنْ بَأْسِكُمْ
أي من حربكم مع أعدائكم ، أو من وقع السلاح فيكم .
فَهَلْ أَنْتُمْ
يا أهل مكة
شاكِرُونَ
لهذه النعمة التي أنعمنا بها عليكم ، والاستفهام في معنى الأمر ، ثم ذكر سبحانه ما خص به سليمان فقال :
وَ
سخرنا
لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ
عبر هنا باللام الدالة على التمليك ، وفي داود ب مع وذلك أن الجبال والطير لما اشتركا معه في التسبيح ناسب فيه ذكر مع الدالة على الاصطحاب ، ولما كانت الريح مستخدمة لسليمان أتى بلام الملك لأنها في