تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
والالتئام والنمو والذبول ، وفي الرازي : الفلك في كلام العرب كل شيء مستدير وجمعه أفلاك ، واختلف العقلاء فيه فقال بعضهم : الفلك ليس بجسم ، وإنما هو استدارة هذه النجوم . وقال الأكثرون : الأفلاك أجسام تدور النجوم عليها وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن ، واختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة فيها ثلاثة فإنه إما أن يكون الفلك ساكنا ، والكواكب تتحرك فيه ، كحركة السمك في الماء الراكد ، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب أيضا إما مخالفة لجهة حركته أو موافقة لجهتها إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة ، وإما أن يكون الفلك متحركا ، والكواكب ساكنة . والذي يدل عليه لفظ القرآن القسم الأول وهو أن تكون الأفلاك ساكنة والكواكب جارية فيها ، كما تسبح السمكة في الماء الراكد انتهى ، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السماوات ، والأفلاك وما فيها إلا بإخبار الصادق المصدوق .
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
أي دوام البقاء في الدنيا لكونه مخالفا للحكمة التكوينية والتشريعية
أَ فَإِنْ مِتَّ
بأجلك المحتوم ، وقرىء مت بكسر الميم وضمها وهما لغتان .
فَهُمُ الْخالِدُونَ
قال الفراء : جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم إن محمدا سيموت قال : ويجوز حذف الفاء وإضمارها ، والمعنى إن مت فهم يموتون أيضا فلا شماتة في الموت وكان سبب نزول هذه الآية قول المشركين فيما حكاه اللّه عنهم
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
[ الطور : 30 ] . أخرج البيهقي وغيره عن عائشة قالت : دخل أبو بكر على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد مات فقبله ، وقال وانبياه واخليلاه واصفياه ثم تلا وما جعلنا . الآية .
كُلُّ نَفْسٍ
مخلوقة فلا يراد الباري تعالى :
ذائِقَةُ الْمَوْتِ
أي ذائقة مرارة مفارقة جسدها فلا يبقى أحد من ذوات الأنفس المخلوقة كائنا ما كان وهذا دليل على ما أنكر من خلودهم ، قيل هذا العموم مخصوص بقوله تعالى :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
[ المائدة : 116 ] فإن اللّه حي لا يموت ولا يجوز عليه الموت ، والذوق ههنا عبارة عن مقدمات الموت وآلامه العظيمة قبل حلوله .
وَنَبْلُوكُمْ
أي نختبركم
بِالشَّرِّ
أي بالشدة
وَالْخَيْرِ
أي الرخاء
فِتْنَةً
مصدر لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قال : نفتنكم فتنة أو مفعول له أي لننظر كيف شكركم وصبركم ، والمراد أنه سبحانه يعاملهم معاملة من يبلوهم فاللّه لا يخفى عليه شيء .