وقال الزجاج : المعنى أفلم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من أهلكناه ، وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى ، وقيل الفاعل ضمير اللّه أو الرسول أو القرآن ، والجملة بعده تفسره .
ومعنى الآية على ما هو الظاهر : أفلم يتبين لأهل مكة خبر من أهلكنا قبلهم من القرون حال كون تلك القرون
يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
ويتقلبون في ديارهم فيعتبروا بهذا الإهلاك فيرجعوا عن تكذيب الرسول أو حال كون هؤلاء يمشون في مساكن القرون الذين أهلكناهم عند خروجهم للتجارة ، وطلب المعيشة إلى الشام وغيرها ، فيرون بلاد الأمم الماضية والقرون الخالية خاوية خاربة من أصحاب الحجر وثمود ، وقرى قوم لوط فإن ذلك مما يوجب اعتبارهم لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
أي لعبرا
لِأُولِي النُّهى
تعليل للإنكار وتقرير للهداية ، والإشارة إلى مضمون كم أهلكنا ، والنهى جمع نهية وهي العقل ، أي بذوي العقول التي تنهى أربابها عن القبيح .
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
أي الكلمة السابقة وهي وعد اللّه سبحانه بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الدار الآخرة
لَكانَ
عقاب ذنوبهم
لِزاماً
أي لازما لهم في الدنيا لا ينفك عنهم بحال ولا يتأخر ، كما لزم القرون الماضية واللزام مصدر لازم .
وَأَجَلٌ مُسَمًّى
معطوف على قوله
كَلِمَةٌ
وهو يوم القيامة أو يوم بدر ويجوز عطفه على الضمير المستتر في
لَكانَ
العائد إلى الأخذ المفهوم من السياق أي لكان الأخذ العاجل ، وأجل مسمى لازمين لهم ، كما كانا لازمين لعاد وثمود وفيه تعسف ظاهر .
قال ابن عباس : هذا من مقاديم الكلام ؛ يقول : لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما أي موتا . وعن السدي نحوه ، وعن مجاهد قال : الأجل المسمى الكلمة التي سبقت .
ثم لما بين اللّه سبحانه أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر فقال :
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
من أنك ساحر كذاب شاعر كاهن ونحو ذلك من مطاعنهم الباطلة ، والمعنى لا تحتفل بهم فإن لعذابهم وقتا مضروبا بألا يتقدم ولا يتأخر ، وأنهم معذبون لا محالة فتسلّ واصبر . وقيل هذا منسوخ بآية القتال . وقيل إنها محكمة . قال الشهاب : الفاء سببية ، والمراد بالصبر عدم الاضطراب لما صدر عنهم لا ترك القتال حتى تكون الآية منسوخة .
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
أي متلبسا بحمده ، قال أكثر المفسرين : والمراد الصلوات الخمس كما يفيده قوله :
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
[ طه : 130 ] فإنه إشارة إلى صلاة الفجر
وَقَبْلَ غُرُوبِها
فإنه إشارة إلى صلاة العصر . وفي صحيح مسلم وسنن أبي