باللّه إنه له لمن الناصحين حتى دلاه بغرور ، ولم يكن ذنبه عن اعتقاد متقدم ونية صحيحة ، فنحن نقول عصى آدم ربه فغوى انتهى .
قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يجوز لأحد أن يخير اليوم بذلك عن آدم . قلت لا مانع من هذا بعد أن أخبرنا اللّه سبحانه في كتابه بأنه عصاه ، وكما يقال : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، قال في المدارك : وفي التصريح بقوله :
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
والعدول عن قوله : وزل آدم ، مزجرة عظيمة وموعظة بليغة للمكلفين كافة كأنه قيل له انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم زلته بهذه الغلظة فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من الصغائر فضلا عن الكبائر ، ومما قال الشوكاني في هذا المعنى :
عصى أبو العالم وهو الذي * من طينة صوره اللّه
وأسجد الأملاك من أجله * وصيّر الجنة مأواه
أغواه إبليس فمن ذا أنا ال * مسكين إن إبليس أغواه
وحديث محاجة آدم وموسى في الصحيحين عن أبي هريرة كما سيأتي ، وفيه :
« أتلو مني على أمر قدره اللّه عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة » « 1 » ، وقد أطال الرازي في بيان اختلاف الناس في عصمة الأنبياء في هذا المقام بما عنه غنى وفي تركه سعة وتبعه في ذلك الخازن في تفسيره فلا نطول الكلام بذكره .
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ
أي اصطفاه وقربه واختاره بالحمل على التوبة والتوفيق لها من جبى إليّ كذا فاجتبيته ، وأصل الكلمة الجمع ، قال ابن فورك : كانت المعصية هذه من آدم قبل النبوة بدليل ما في هذه الآية فإنه ذكر الاجتباء والهداية بعد أن ذكر المعصية وإذا كانت المعصية قبل النبوة فجائز عليهم الذنوب وجها واحدا
فَتابَ عَلَيْهِ
من معصيته وقبل توبته .
وَهَدى
أي هداه إلى الثبات والمداومة على التوبة ، فلم ينقضها أو إلى الاعتذار والاستغفار ، قيل وكانت توبة اللّه عليه قبل أن يتوب هو وحواء ، بقولهما :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
[ الأعراف : 23 ] ، وقد مر وجه تخصيص آدم بالذكر دون حواء . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « حاج آدم موسى ، قال له : أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم بمعصيتك . قال آدم : يا موسى أنت الذي اصطفاك اللّه برسالته وبكلامه أتلومني على أمر كتبه اللّه عليّ قبل أن يخلقني ، أو قدره عليّ قبل أن يخلقني ؟
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 31 ، والتوحيد باب 37 ، ومسلم في القدر حديث 13 ، 15 ، وأبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في القدر باب 2 ، وابن ماجة في المقدمة باب 10 ، وأحمد في المسند 2 / 248 ، 264 ، 268 ، 398 .