قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « فحج آدم موسى » « 1 »
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً
أي انزلا بما اشتملتما من ذريتكما من الجنة إلى الأرض والخطاب وإن كان مثنى في اللفظ لكنه في المعنى للجمع ليحصل التوفيق بين هذه الآية وآية الأعراف ، وهي قوله : قال اهبطوا ، وبالجملة خصهما اللّه سبحانه بالهبوط لأنهما أصل البشر .
ثم عمم الخطاب لهما ولذريتهما فقال :
بَعْضُكُمْ
بعض الذرية
لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
من أجل ظلم بعضهم بعضا ، والمعنى تعاديهم في أمر المعاش ونحوه فيحدث بسبب ذلك القتال والخصام .
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
بإرسال الرسل وإنزال الكتب
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ
أي الكتاب والرسول ، وضع الظاهر موضع المضمر مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه
فَلا يَضِلُّ
في الدنيا
وَلا يَشْقى
في الآخرة أخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من اتبع كتاب اللّه هداه اللّه من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة ، وذلك أن اللّه يقول :
فَمَنِ اتَّبَعَ
الآية » وعن ابن عباس قال : أجار اللّه تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية .
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
أي الهدى الذاكر لي والداعي إليّ ، أو عن ديني وتلاوة كتابي والعمل بما فيه ، ولم يتبع هداي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
أي عيشا ضيقا في هذه الحياة الدنيا ؛ يقال منزل ضنك وعيش ضنك أي ضيق ، في القاموس الضنك الضيق في كل شيء ، يقال ضنك ضنكا وضناكة وضنوكة ضاق . وهو مصدر يستوي فيه الواحد وما فوقه والمذكر والمؤنث ، وقرىء بضم الضاد على فعلى . ومعنى الآية أن اللّه عز وجل جعل لمن اتبع هداه وتمسك بدينه أن يعيش في الدنيا عيشا هنيئا غير مهموم ولا مغموم ولا متعب نفسه ، كما قال سبحانه
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
[ النحل : 97 ] وجعل لمن لم يتبع هداه وأعرض عن دينه أن يعيش عيشا ، ضيقا ، وفي تعب ونصب ، ومع ما يصيبه في هذه الدنيا من المتاعب فهو في الآخرة أشد تعبا وأعظم ضيقا وأكثر نصبا .
وعن أبي سعيد الخدري مرفوعا معيشة ضنكا ، قال : عذاب القبر . أخرجه البيهقي والحاكم وصححه ، ومسدد في مسنده ، ولفظ عبد الرزاق : يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ، ولفظ ابن أبي حاتم قال : ضمة القبر ، وفي سنده ابن لهيعة ، وفيه مقال معروف . وقال ابن كثير : الموقوف أصح .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « المعيشة الضنكى أن تسلط عليه تسع وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة » وعنه
هامش
( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل ، راجع التخريج السابق .