لهم حين استبطأ القوم رجوع موسى . إنما احتبس عنكم لأجل ما عندكم من الحلي فجمعوه ودفعوه إليه فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلا ، ثم ألقى عليه قبضة من أثر الرسول ، وهو جبريل .
فَأَخْرَجَ لَهُمْ
السامري من الحفرة ، وهذا من كلامه تعالى :
عِجْلًا
صاغه من الحلى في ثلاثة أيام
جَسَداً
أي حال كونها جسدا أي صائرة جسدا ، أي دما ولحما ، والجسد جمعه أجساد .
قال في البارع : لا يقال الجسد إلا للحيوان العاقل ، وهو الإنسان والملائكة والجن ، ولا يقال لغيره جسد إلا للزعفران ، وللذم إذا يبس أيضا جسد وجاسد والمعنى أخرج لهم عجلا ذا جثة على التشبيه بالعاقل .
لَهُ خُوارٌ
صوت يسمع ، أي يخور كما يخور الحي من العجول ، والخوار صوت البقر ؛ وقيل خواره كان بالريح لأنه كان عمل فيه خروقا فإذا دخلت الريح في جوفه خار ، ولم تكن فيه حياة .
فَقالُوا
أي السامري ومن وافقه بادىء الرأي
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ
أي فضل موسى ولم يعلم مكان إلهه هذا ، وذهب يطلبه في الطور ، وهذا يقتضي أنهم جعلوا العجل إلها يعبدونه لذاته ، لا لتقريبه لهم من اللّه تعالى . وقيل المعنى فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم . قاله ابن عباس وقيل الناسي هو السامري ؛ أي ترك السامري ما أمر به موسى من الإيمان وضل كذا قال ابن الأعرابي .
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 89 إلى 96 ]
أَ فَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ( 89 ) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ( 90 ) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ( 91 ) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ( 93 )
قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( 94 ) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ( 95 ) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 )
أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا
الاستفهام للتوبيخ والتقريع ، أي أفلا يعتبرون ويتفكرون في هذا العجل لا يردّ عليهم جوابا ، ولا يكلمهم إذا كلموه ؛ فكيف يتهمون أنه إلهه وهو عاجز عن المكالمة ، وأن مخففة ويرجع بالرفع في قراءة العامة ، وقرىء بالنصب وفيه ضعف ، والرؤية على الأول علمية ، وعلى الثاني بصرية .
وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
أي لا يقدر على أن يدفع عنهم ضرا ، ولا أن يجلب إليهم نفعا .