تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 83 إلى 88 ]

وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ( 83 ) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ( 84 ) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ( 85 ) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ( 86 ) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 ) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ( 88 )
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى
هذا حكاية لما جرى بين اللّه سبحانه ، وبين موسى عند موافاته الميقات . والسؤال وقع من اللّه لكنه ليس لاستدعاء المعرفة بل إما لتعريف غيره أو لتبكيته أو لتنبيهه كما صرح به الراغب وظاهره أنه ليس بمجاز كما يقول التلميذ سألني الأستاذ عن كذا ليعرف فهمي ونحو ذلك ، قال المفسرون : كانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه فسار موسى بهم ، ثم عجل من بينهم شوقا إلى ربه فقال اللّه تعالى له : ما الذي حملك على العجلة حتى تركت قومك وخرجت من بينهم ؟ والمراد بهم جملة بني إسرائيل فإن موسى كان قد أمر هارون أن يسير بهم على أثره ويلحقونه في مكان المناجاة ، فأجاب موسى عن ذلك . و
قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي
أي بالقرب مني تابعون لأثري واصلون بعدي ليس بيني وبينهم إلا مسافة يسيرة ، وقيل لم يرد أنهم يسيرون خلفه ؛ بل أراد أنهم بالقرب منه ينتظرون عوده إليهم بنو تميم يقولون أولى مقصورة وأهل الحجاز أولاء ممدودة ؛ قاله عيسى بن عمرو ، وقرىء إثر بكسر الهمز وإسكان الثاء وبفتحهما وهما لغتان . ثم قال مصرحا بسبب ما سأله اللّه عنه ، فقال ؛
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
عني بمسارعتي إلى امتثال أمرك أو لتزداد رضا عني لذلك ، وفيه دليل على جواز الاجتهاد ، والمعنى عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني يقال رجل عجل وعجول بين العجلة والعجلة خلاف البطء . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون عن رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : تعجل موسى إلى ربه فرأى في ظل العرش رجلا فعجب له فقال : من هذا يا رب ؟ قال لا أحدثك من هو لكن سأخبرك بثلاث فيه كان لا يحسد الناس على ما آتاهم اللّه من فضله ولا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة .
قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ
مستأنفة كأنه قيل فماذا ؟ قال اللّه أي ابتليناهم واختبرناهم وألقيناهم في فتنة ومحنة ، قال ابن الأنباري : صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل من بعد انطلاقك من بينهم وهم الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة