تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
وجوامع الكلم أي ما يقل لفظها ويكثر معناها ، والتكرير للتعظيم والتهويل ؛ كما في قوله :
الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ
[ الحاقة : 1 ، 2 ] وقيل غشيهم ما سمعت قصته ؛ وقال ابن الأنباري : غشيهم البعض الذي غشيهم لأنه لم يغشهم كل ماء البحر بل الذي غشيهم بعضه ، فهذه العبارة للدلالة على الذي أغرقهم بعض الماء ، والأول أولى لما يدل عليه من التهويل والتعظيم . وقرىء فغشاهم من اليم ما غشاهم أي غطاهم ما غطاهم من الغرق وسترهم ما لم يعلم كنهه إلا اللّه سبحانه فغرق فرعون وجنوده ونجا موسى وقومه .
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى
هذا إخبار عن حاله قبل الغرق أي أضلهم عن الرشد وما هداهم إلى طريق النجاة لأنه قدر أن موسى وقومه لا يفوتونه لكونهم بين يديه يمشون في طريق يابسة وبين أيديهم البحر وفي قوله :
وَما هَدى
تأكيد وتقرير لإضلاله لأن المضل قد يرشد من يضله في بعض الأمور وفيه تكذيب لفرعون في قوله :
وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
[ غافر : 29 ] .
يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ
ذكر سبحانه ما أنعم به على بني إسرائيل بعد إنجائهم ، وفي هذا الترتيب غاية الحسن حيث قدم تذكير نعمة الإنجاء ثم النعمة الدينية ثم الدنيوية والتقدير : قلنا لهم بعد إنجائهم يا بني إسرائيل ويجوز أن يكون خطابا لليهود المعاصرين لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم لأن النعمة على الآباء معدودة من النعم على الأبناء ، والمراد بعدوهم هنا فرعون وجنوده ، وذلك بإغراقه وإغراق قومه في البحر بمرأى من بني إسرائيل .
وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ
انتصاب جانب على أنه مفعول به لا على الظرفية لأنه مكان معين غير مبهم ، وإنما تنتصب الأمكنة على الظرفية إذا كانت مبهمة ، قال مكي : وهذا أصل لا خلاف فيه . قال النحاس : والمعنى أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه لنكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام ، وقيل وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي جانب الطور فالوعد كان لموسى وإنما خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم فهو من المجاز العقلي . وقرىء « ووعدناكم » لأن الوعد إنما هو من اللّه لموسى خاصة والمواعدة لا تكون إلا من اثنين ، وقد قدمنا في البقرة هذا المعنى ، والأيمن صفة للجانب ، والمراد يمين الشخص لأن الجبل ليس له يمين ولا شمال ، فإذا قيل خذ عن يمين الجبل فمعناه عن يمينك من الجبل .
وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ
أي في التيه
الْمَنَّ وَالسَّلْوى
قد تقدم تفسير المن بالترنجبين والسلوى بالسمان وأوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه ، وقال أبو السعود : المن هو شيء