تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
يصيرون إليها في الجنة ، فعندها قالوا هذا القول ، وقالوا أيضا :
لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ
[ طه : 72 ] إلى قوله :
وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ طه : 73 ] .
قالَ
فرعون
آمَنْتُمْ لَهُ
يقال آمن له وبه ، فمن الأول قوله
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ
[ العنكبوت : 26 ] ، ومن الثاني قوله في الأعراف :
آمَنْتُمْ بِهِ
[ البقرة : 137 ] . قيل : إن الفعل هنا متضمن معنى الاتباع ، وقرىء على الاستفهام التوبيخي أي كيف آمنتم به
قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
أي من غير إذن مني لكم بذلك .
إِنَّهُ
أي أن موسى
لَكَبِيرُكُمُ
أي أسحركم وأعلاكم درجة في صناعة السحر ، فلا عبرة بما أظهرتموه ، أو معلمكم وأستاذكم ، كما يدل عليه قوله :
الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
يعني أنكم تلامذته في السحر ، فاصطلحتم وتواطأتم معه على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجا لأمره وتفخيما لشأنه . قال الكسائي : الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه قال : جئت من عند كبيري . وقال محمد بن إسحاق : إنه لعظيم السحر . قال الواحدي : الكبير في اللغة الرئيس . ولهذا يقال للمعلم الكبير ، أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس حتى لا يؤمنوا ، وإلا فقد علم أنهم لم يتعلموا من موسى ولا كان رئيسا لهم ولا بينه وبينهم مواصلة .
فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
أي واللّه لأفعلن بكم ذلك ، والتقطيع للأيدي والأرجل
مِنْ خِلافٍ
هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، لأن كل واحد من العضوين يخالف الآخر بأن هذا يد وذاك رجل ، وهذا يمين وذاك شمال ، أي لأقطعنها مختلفات ، ومن لابتداء الغاية ، كأن القطع ابتدىء من مخالفة العضو للعضو .
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
أي على جذوعها ؛ كقوله :
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ
[ الطور : 38 ] أي عليه ، وإنما آثر كلمة
فِي
للدلالة على استقرارهم عليها ؛ كاستقرار المظروف في الظرف ، وهذا هو المشهور ، وخص النخل لطول جذوعها ؛ وقيل إنه نقر جذوع النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعا وعطشا ، وهذا على الحقيقة كما أن الأول على المجاز وهو الأولى .
وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى
أراد لتعلمن هل أنا أشد عذابا لكم على إيمانكم به أم موسى ؟ ومعنى أبقى أدوم ، وهو يريد بكلامه هذا الاستهزاء بموسى لأن موسى لم يكن من التعذيب في شيء ، ويمكن أن يريد العذاب الذي توعدهم به موسى إن لم يؤمنوا ، وقيل إشارة إلى أن إيمانهم لم يكن ناشئا عن مشاهدة المعجزة بل كان من خوفهم من موسى حيث رأوا ما وقع من عصاه .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 72 إلى 76 ]

قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 72 ) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 73 ) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 74 ) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ( 75 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى ( 76 )