تعليل للنهي عن الخوف ، وفيه إشارة إلى أن لهم علوا وغلبة بالنسبة إلى سائر الناس ، ولذلك أوجس منهم خيفة فرد ذلك بأنواع من المبالغة ، أحدها ذكر كلمة التوكيد وهي إن وثانيها تكرير الضمير ، وثالثها لام التعريف ، ورابعها لفظ العلو وهو الغلبة الظاهرة ، وهذا يكفي فيه ظن العلو في أمرهم لا أن الأعلى لمجرد الزيادة ، لأنه لم يكن للسحرة علو حتى يكون هو أعلى منهم كما قيل . قاله الكرخي .
وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ
يعني العصا ، وإنما أبهمها تعظيما وتفخيما ، أي لا تحتفل بهذه الأجرام فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها ، وهذه على كثرتها أقل شيء عندها ، فألقها ولا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم ، وجاز أنه يكون الإبهام للتصغير أي وألق العويد الفريد الصغير الجرم ، الذي بيدك فإنه بقدرة اللّه تعالى :
تَلْقَفْ
على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها .
قرىء تلقف بسكون اللام من لقفه إذا ابتلعه بسرعة ، وقرىء بالرفع على تقدير فإنها تلقف . وقال الزجاج : القراءة بالجزم جواب الأمر ، ويجوز الرفع على معنى الحال كأنه قال ألقها متلقفة
ما صَنَعُوا
من الحبال والعصيّ .
إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ
أي جنسه ، أي أن الذي صنعوه كيد ساحر ، أو أن صنعهم كيد ساحر وقرىء سحر ، وإضافة الكيد إلى السحر على الاتساع من غير تقدير ، أو بتقدير ذي سحر وقيل غير ذلك .
وَلا يُفْلِحُ
ولا يسعد
السَّاحِرُ
أي جنس الساحر
حَيْثُ أَتى
أي حيث كان وأين توجه وأقبل ، وهذا من تمام التعليل .
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ
أي فألقى ذلك الأمر الذي شاهدوه من موسى والعصى إياهم
سُجَّداً
للّه تعالى ، وذلك لأنهم كانوا في أعلى طبقات السحر ، فلما رأوا ما فعله موسى خارجا عن صناعتهم ، عرفوا أنه ليس من السحر البتة ، وقد مرّ تحقيق هذا في سورة الأعراف .
قال صاحب الكشاف : سبحان اللّه ما أعجب أمرهم ، قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود ، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين ؛ وقيل إنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار والثواب والعقاب
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى
إنما قدم هارون على موسى هنا في حكاية كلامهم ، وأخر في الشعراء رعاية لفواصل الآي وعناية بتوافق رؤوسها ؛ ولأن الواو لا توجب ترتيبا .
قال عكرمة : إن سحرة فرعون كانوا تسعمائة ، فقالوا لفرعون : إن يكن هذان ساحرين فإنا نغلبهما فإنه لا أسحر منا ، وإن كانا من رب العالمين فإنه لا طاقة لنا برب العالمين ، فلما كان من أمرهم أن خروا سجدا أراهم اللّه في سجودهم منازلهم التي