تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
قد ألقى عصاه يوم دخل على فرعون ، فلما أراد السحرة معارضته قالوا له هذا القول ، وهذا منهم استعمال أدب حسن معه ، وكأنه تعالى ألهمهم ذلك وقد وصلت إليهم بركته .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 66 إلى 71 ]

قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( 66 ) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ( 67 ) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ( 68 ) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ( 69 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ( 70 ) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ( 71 ) وعلم موسى اختيار إلقائهم أولا حتى
قالَ
لهم
بَلْ أَلْقُوا
أنتم أولا ، وإنما أمرهم بذلك لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا ما معهم فيصير آية نيرة للناظرين وعبرة بينة للمعتبرين ، ثم يلقي هو عصاه فتبتلع ذلك ويظهر سلطانه . وقيل : إنما بتّ عليه السلام لهم القول مقابلة للأدب بأحسن من أدبهم ، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم . فألقوا
فَإِذا حِبالُهُمْ
الفاء فصيحة ، يقال إذا هذه هي المفاجئة ، والتحقيق أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت للطالبة ناصبا لها ، وقد يكون ناصبها فعلا مخصوصا وهو فعل المفاجأة
وَعِصِيُّهُمْ
بكسر العين اتباعا لكسرة الصاد ، وقرىء بضمها وهي لغة بني تميم .
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ
بالتحتية على البناء للمفعول ، وقرىء تخيل بالفوقية لأن العصي والحبال مؤنثة ، وقرىء نخيل بالنون على أن اللّه سبحانه هو المخيل لذلك ، وقرىء بالتحتية مبنيا للفاعل على أن المخيل هو الكيد . وقيل المخيل هو
أَنَّها تَسْعى
أي يخيل إليه سعيها ، ذكر معناه الزجاج ، وقال ومن قرأ بالفوقية جعل أن في موضع نصب ، أي تخيل إليه ذات سعي . يقال خيل إليه إذا شبه له ، وأدخل عليه التهمة والشبهة ، وذلك أنهم لطخوها وطلوها بالزئبق فلما أصابها حرّ الشمس ارتعشت واهتزت واضطربت ، فخيل إليه أنها تتحرك .
فَأَوْجَسَ
أي أحس وقيل وجد وقيل أضمر وقيل خاف
فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
وذلك لما يعرض من الطباع البشرية عند مشاهدة ما يخشى منه ، وقيل خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه ، أو لعله كان مأمورا بأن لا يفعل شيئا إلا بالوحي ، فلما تأخر نزول الوحي في ذلك المحفل بقي في الخجل . قاله ابن عادل وقيل إن سبب خوفه هو أن سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا ، فخاف أن يلتبس أمره على الناس فلا يؤمنوا ، فأذهب اللّه سبحانه ما حصل معه من الخوف بما بشره به بقوله :
قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى
أي المستعلي عليهم بالظفر والغلبة ، والجملة