يا مُوسى
أي نودي من الشجرة ، فقيل يا موسى وهذا أول الكلمات بينه وبين اللّه تعالى ، وسيأتي آخرها وهو قوله :
أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
؛ وها بالنسبة لهذه الواقعة ، وهذه الحالة وإلا فله مكالمات أخر قاله سليمان الجمل ولما نودي موسى ، قال : من المتكلم فقال اللّه تعالى :
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
فعرف أنه كلام اللّه تعالى وليس هذا النداء والخطاب هو الذي وقع فيه الصعقة ودك الجبل كما تقدم ذكره في سورة الأعراف ، بل هذا غيره ؛ إذ هذا أول بدء رسالته ، وذاك إنما كان بعد غرق فرعون حين أعطاه اللّه التوراة .
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
أمره اللّه سبحانه بخلع نعليه تعظيما ، لأن الحفوة أبلغ في التواضع وأقرب إلى التشريف والتكريم وحسن التأدب . وقيل معناه انزعهما لتصيب قدميك بركة الوادي المقدس ، والأول أولى ، قيل ومن ثمّ طاف السلف بالكعبة حافين .
قال النسفي : والقرآن يدل على أن ذلك احترام للبقعة وتعظيم لها ، فخلعهما وألقاهما من وراء الوادي انتهى ، وقيل لأنهما كانا من جلد حمار ميت أو من جلد مدبوغ ، قاله علي وابن مسعود ، وروي عن السدي وقتادة ، وقيل معنى الخلع لهما تفريغ القلب من الأهل والمال وهو من بدع التفاسير ، ثم علل سبحانه الأمر بالخلع فقال :
إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ
أي المطهر ، والمبارك والقدس الطهارة ، والأرض المقدسة المطهرة ، سميت بذلك لأن اللّه تعالى أخرج منها الكافرين وعمرها بالمؤمنين
طُوىً
اسم للوادي ، قال الجوهري : هو اسم موضع بالشام يكسر طاؤه ويضم ويصرف ولا يصرف ، فمن صرفه وجعله اسم واد ومكان جعله نكرة ، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة ، وقيل طوى كثنى من الطي مصدر لنودي أو للمقدس ، أي نودي نداءين أو قدس مرة بعد أخرى ، قال ابن عباس : يعني الأرض المقدسة وذلك أنه مر بواديها ليلا فطوى ، يقال طويت وادي كذا وكذا ، وقيل طوى واد مستدير عميق ، مثل المطوي في استدارته .
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ
بالإفراد وقرىء إنّا اخترناك بالجمع ، قال النحاس : والأول أولى لأنها أشبه بالخط وأولى بنسق الكلام ، لقوله :
يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
والمعنى اصطفيتك بالنبوة والرسالة ، فنبأه وأرسله في ذلك الوقت وفي ذلك المكان ، وكان عمره حينئذ أربعين سنة .
فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى
إليك مني أو للوحي ، وفيه نهاية الهيبة والجلال له كأنه قال لقد جاءك أمر عظيم فتأهب له .
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
ثم أمره بالعبادة فقال :
فَاعْبُدْنِي
لأن اختصاص الإلهية به سبحانه موجب لتخصيصه بالعبادة
وَأَقِمِ الصَّلاةَ
خصها بالذكر مع كونها