تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
قال : السر ما علمته أنت ، وأخفى ما قذف اللّه في قلبك مما لم تعلمه ، وفي لفظ : يعلم ما تسر في نفسك ويعلم ما تعمل غدا . وفي الآية تنبيه على أن الذكر والدعاء والجهر فيهما ليس لإعلام اللّه تعالى وإسماعه ، بل لغرض آخر كتصوير النفس بالذكر ورسوخها فيه ودفع الشواغل والوساس ، ومنعها عن الاشتغال بغيره ، وهضمها بالتضرع والجؤار ثم ذكر أن الموصوف بالعبادة على الوجه المذكور هو اللّه سبحانه المتنزه عن الشريك المستحق لتسميته بالأسماء الحسنى فقال :
اللَّهُ
أي الموصوف بهذه الصفات الكمالية اللّه ، وجملة
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
مستأنفة لبيان اختصاص الإلهية به سبحانه أي لا إله في الوجود إلا هو وهكذا جملة
لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
مبينة لاستحقاقه تعالى لها وهي التسعة والتسعون ، التي بها ورد الحديث الصحيح ، وقد تقدم بيانها في سورة الأعراف ؛ والحسنى تأنيث الأحسن فهي اسم تفضيل يوصف به الواحد من المؤنث والجمع من المذكر ثم قرر سبحانه أمر التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث ، بذكر قصة موسى المشتملة على القدرة الباهرة والخبر الغريب فقال :
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى
الاستفهام للتقرير ؛ ومعناه أليس قد أتاك ؟ وقيل معناه قد أتاك ، وقال الكلبي : لم يكن قد أتاه حديث موسى إذ ذاك ، وفي سياق هذه القصة تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما يلاقيه من مشاق أحكام النبوة وتحمل أثقالها ومقاساة خطوبها وأن ذلك شأن الأنبياء قبله ، وأنه أمر مستمر فيما بينهم كابرا عن كابر ، والمراد بالحديث القصة الواقعة لموسى .
إِذْ رَأى ناراً
أي اذكر وقت رؤيته نارا ، وقيل أي حين رأى نارا كان كيت كيت ، وكانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة مثلجة شاتية شديدة البرد لما خرج مسافرا إلى أمه بعد استئذانه لشعيب وكانت ليلة الجمعة .
فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا
المراد بالأهل هنا امرأته ، وهي بنت شعيب واسمها صفورا ، وقيل صفوريا ، وقيل صفورة واسم أختها ليا ، وقيل شرقا وقيل عبدا واختلف في التي تزوجها هل هي الصغرى أو الكبرى ، والجمع لظاهر لفظ الأهل ، أو للتفخيم ، وقيل المراد بهم المرأة والولد والخادم ، والمعنى أقيموا مكانكم ، وذلك في مسيرة من مدين طالبا مصر ، ولما قضى الأجل الذي جعله عليه شعيب وبينها وبين مصر ثمان مراحل ، وعبر بالمكث دون الإقامة لأنها تقتضي الدوام والمكث ليس كذلك .
إِنِّي آنَسْتُ ناراً
أي أبصرت يقال آنست الصوت سمعته وآنست الرجل أبصرته ، وقيل الإيناس الإبصار البيّن ، ومنه إنسان العين لأنه يبصر به الأشياء وقيل هو الوجدان وقيل الاحساس فهو أعم من الإبصار وقيل الإيناس مختص بإبصار ما يؤنس ،