والحق ما ذهب إليه سلف الأمة وأئمتها من إمرار الصفات على ظاهرها من غير تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تأويل ، والذي ذهب إليه أبو الحسن الأشعري أنه سبحانه مستو على عرشه بغير حدّ ولا كيف وإلى هذا القول سبقه الجماهير من السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم والمجتهدين الأربعة وأهل الحديث والأثر ، الذين يمرون الصفات كما وردت من دون تحريف ولا تعطيل ولا تأويل والبحث في تحقيق هذا يطول جدا وليس هذا موضع بسط ذلك ردا وتعقبا وقد أوضحنا ذلك إيضاحا شافيا في رسائلنا ( الانتقال الرجيح ) و ( هداية السائل ) و ( بغية الرائد ) وغيرها فليرجع إليها قاله الشوكاني .
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
من الموجودات ؛ وقيل يعني الهواء
وَما تَحْتَ الثَّرى
هو في اللغة التراب الندي فإن لم يكن نديا فهو تراب ولا يقال له حينئذ ثرى ، أي ما تحت التراب النديّ من شيء ، والمراد الأرضون السبع لأنها تحته .
قال الواحدي : والمفسرون يقولون : إنه سبحانه أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض ، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا اللّه سبحانه . قال قتادة : الثرى كل شيء مبتل .
وأخرج أبو يعلى عن جابر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سئل ما تحت هذه الأرض ؟ قال :
« الماء » ، قيل فما تحت الماء ؟ قال : « ظلمة » ، قيل فما تحت الظلمة ؟ قال : « الهواء » قيل فما تحت الهواء ؟ ، قال : « الثرى » ، قيل فما تحت الثرى ، قال : « انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق » . وأخرج ابن مردويه عنه نحوه بأطول منه .
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
الجهر بالقول هو رفع الصوت به ، والسر ما حدّث به الإنسان غيره وأسره إليه ، والأخفى من السر هو ما حدّث به الإنسان نفسه وأخطره بباله ، والمعنى إن تجهر بذكر اللّه ودعائه فاعلم أنه غني عن ذلك فإنه يعلم السر وما هو أخفى من السر فلا حاجة لك إلى الجهر بالقول ، وفي هذا معنى النهي عن الجهر كقوله سبحانه :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً
[ الأعراف : 205 ] وقيل السر ما أسر الإنسان في نفسه ، والأخفى منه هو ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه . وبه قال ابن عباس ، وزاد فإنه يعلم ذلك كله فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد ؛ وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة ، وهو كقوله :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
[ لقمان : 28 ] .
وقيل السر ما أضمره الإنسان في نفسه والأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد ، وقيل السر سر الخلائق ، والأخفى منه سر اللّه عز وجل ، وأنكر ذلك ابن جرير وقال : إن الأخفى ما ليس في سر الإنسان وسيكون في نفسه . وعن ابن عباس أيضا