وعن مالك : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ؛ قال البغوي : أهل السنة يقولون الاستواء على العرش صفة اللّه بلا كيف يجب على الرجل الإيمان به ويكل العلم به إلى اللّه عز وجل ، وعن الثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم في أمثال هذه الآيات التي جاءت في الصفات أقروها كما جاءت بلا كيف وفيه مذهبان .
الأول : القطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة وعدم الخوض في تأويلها وبه قال الخازن واختاره .
الثاني : الخوض فيه على التفصيل ، وفيه قولان :
الأول : العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملك ، فإذا استقام له ملكه ، واطرد أمره ونفذ حكمه قالوا استوى على عرشه واستوى على سرير ملكه قاله القفال ، قال الخازن : والذي قاله حق وصواب والمراد منه نفاذ القدرة وجريان المشيئة ، ويدل على صحة هذا قوله في سورة يونس .
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
[ يونس : 3 ] فقوله يدبر الأمر جرى مجرى التفسير لقوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ يونس : 3 ] .
الثاني : أن يكون استوى بمعنى استولى ، وهذا مذهب المعتزلة وجماعة من المتكلمين ، واحتجوا عليه بقول الشاعر .
قد استوى بشر على عراق * من غير سيف ودم مهراق « 1 »
ورد هذا بأن العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى ، وإنما يقال استوى فلان على كذا إذا لم يكن في ملكه ، ثم ملكه واستولى عليه ، واللّه تعالى لم يزل مالكا للأشياء كلها ومستوليا عليها ، فأي تخصيص للعرش هنا دون غيره من المخلوقات ؟
وقال أبو الحسن الأشعري : المعنى أن اللّه مستو على عرشه وأنه فوق الأشياء بائن منها ولا تحله ولا يحلها ولا يماسها ولا يشبهها .
وعن ابن الأعرابي : جاءه رجل فقال : ما معنى هذه الآية ؟ قال : إنه مستو على عرشه كما أخبر فقال الرجل إنما معنى قوله : استوى استولى فقال له ابن الأعرابي : ما يدريك العرب لا تقول استوى فلان على الشيء ، حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب ؟
قيل لمن غلب قد استولى عليه واللّه تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر ، لا كما يظنه البشر ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة الأعراف وفيه رسائل مستقلة وكتب مفردة للحفاظ والمحدثين ونزاع قديم بين المتقدمين والمتأخرين .
هامش
( 1 ) الرجز للأخطل في تاج العروس ( سوا ) وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في لسان العرب ( سوا ) ، ورصف المباني ص 372 ، ويروى : « على العراق » بدل : « على عراق » .