تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
أعدائهم الرعب ، وهذا الجعل في الدنيا ، والسين للدلالة على أن ذلك لم يكن من قبل وأنه مجعول من بعد نزول الآية ، لأن المؤمنين كانوا بمكة حال نزول هذه الآية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم اللّه تعالى بذلك إذا ظهر الإسلام فألف اللّه تعالى بين قلوب المؤمنين ، ووضع فيها المحبة ، أو في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل . وعن ابن عباس قال : نزلت في علي بن أبي طالب ، والمعنى محبة في قلوب المؤمنين . وعن البراء قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعليّ : « قل اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي عندك ودا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة » فأنزل اللّه الآية في عليّ . أخرجه ابن مردويه والديلمي . وعن ابن عباس قال : محبة في الناس في الدنيا ، وعن علي قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية ما هو ؟ قال : « المحبة الصادقة في صدور المؤمنين » . وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا أحب اللّه عبدا نادى جبريل أني قد أحببت فلانا فأحبه ، فينادي في السماء ، ثم ينزل المحبة في أهل الأرض ، فذلك قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
وإذا أبغض اللّه عبدا نادى جبريل أني قد أبغضت فلانا ، فينادي في أهل السماء ثم ينزل البغضاء في الأرض » « 1 » والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة . ثم ذكر سبحانه تعظيم القرآن ، خصوصا هذه السورة لاشتمالها على التوحيد والنبوة وبيان حال المعاندين فقال :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ
أي القرآن بإنزالنا له
بِلِسانِكَ
أي على لغتك العربية ؛ وفصلناه وسهلناه والباء بمعنى على والفاء لتعليل كلام يساق فإليه النظم الكريم كأنه قيل بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر به فإنما يسرناه ، الآية ، ثم علل ما ذكره من التيسير فقال :
لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ
أي المتلبسين بالتقوى المتصفين بها
وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
ولو أنزلناه بغيرها لم يتيسر التبشير ولا الإنذار لعدم فهم المخاطبين لغير العربية ، واللّدّ جمع الألد وهو الشديد الخصومة ، ومنه قوله تعالى
أَلَدُّ الْخِصامِ
[ البقرة : 204 ] وقال أبو عبيدة : الألد الذي لا يقبل الحق ، ويدعي الباطل ، وقيل اللّدّ الصّمّ وقيل الظّلمة ، وقال ابن عباس : لدّا فجارا ، وعن الحسن قال : صما يعني عن الحق .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 6 ، والأدب باب 41 ، والتوحيد باب 33 ، ومسلم في البر حديث 157 ، والترمذي في تفسير سورة 19 ، باب 7 ، ومالك في الشعر حديث 15 ، وأحمد في المسند 5 / 263 .