تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
وقد اختلف الناس في هذا الورود ، فقيل الورود الدخول لقوله :
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها
[ الأنبياء : 99 ] ، لكنه يختص بالكفار لقراءة وإن منهم ، وتحمل القراءة المشهورة على الالتفات ويستثنى الأنبياء والمرسلون ، وتكون على المؤمنين بردا وسلاما ، كما كانت على إبراهيم . وقالت فرقة : الورود هو المرور على الصراط ، لأن الصراط ممدود عليها ، فيسلم أهل الجنة ويتقاذف أهل النار ، وعلى هذا لا يستثنى الأنبياء والمرسلون ، بل يمرّ عليه جميع الخلق . روي ذلك عن ابن عباس وكعب الأحبار والسدي ورواه السدي عن ابن مسعود عن النبي ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) والحسن . وعن مجاهد : ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحمى حظ كل مؤمن من النار » ، وفيه بعد . وقيل ليس الورود الدخول إنما هو كما تقول وردت البصرة ولم أدخلها ، وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود ، وحمله على ظاهره لقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
[ الأنبياء : 101 ] قالوا فلا يدخل النار من ضمن اللّه أن يبعده عنها ، وأجابوا عنه بأن معناه أنهم مبعدون عن العذاب فيها والاحتراق بها ، فمن دخلها وهو لا يشعر بها ولا يحس منها وجعا ولا ألما فهو مبعد عنها . وقالت فرقة : الورود هو الإشراف والاطلاع والقرب ، وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب ، ثم ينجي اللّه الذين اتقوا مما نظروا إليه ويصار بهم إلى الجنة كما سيأتي ، ومما يدل على أن الورود لا يستلزم الدخول قوله تعالى :
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
[ القصص : 23 ] فإن المراد أنه أشرف عليه لا أنه دخل فيه ، ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط أو الورود على جهنم وهي خامدة فيه ، جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة فينبغي حمل هذه الآية على ذلك لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار مع كون الداخل من المؤمنين مبعدا من عذابها ، أو بحمله على المضي فوق الجسر المنصوب عليها ، وهو الصراط . وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي والحاكم وصححه عن أبي سمية قال : اختلفنا في الورود فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن وقال بعضنا يدخلونها جميعا ثم ننجي الذين اتقوا ، فلقيت جابر بن عبد اللّه فذكرت له فقال - وأهوى بأصبعه إلى أذنيه - صممنا إن لم أكن سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ، حتى إن للنار ضجيجا من بردها »
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
« 1 » [ مريم : 72 ] الآية .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 329 ، والحاكم في المستدرك 4 / 587 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 309 | صديق الحسيني القنوجي البخاري