مما يزيدهم سرورا إذا علموا الخلاص منه ؛ وثانيها أنّ فيه مزيد همّ على أهل النار حيث يرون المؤمنين يتخلصون منها وهم باقون فيها ، وثالثها أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب على الكفار صار ذلك سببا لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة ، ولا نقول صريحا إن الأنبياء يدخلون النار أدبا معهم ، ولكن نقول إن الخلق جميعا يردونها كما دلت عليه أحاديث الباب ، فالعصاة يدخلونها بجرائمهم ، والأولياء والسعداء يدخلونها لشفاعتهم ، فبين الداخلين بون .
كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
أي كان ورودهم المذكور أمرا محتوما لازما قد قضى سبحانه أنه لا بدّ من وقوعه لا محالة بمقتضى حكمته لا بإيجاب غيره عليه قال مجاهد : مقضيا قضاء من اللّه . وقال عكرمة : قسما واجبا . قالت الأشاعرة : إن هذا مشبه بالواجب من جهة استحالة تطرق الخلف إليه وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن العقاب واجب على اللّه ، وأن صاحب الكبيرة مخلد ، والفاسق مخلد في النار ، بدليل أن اللّه بين أن الكل يردونها ، ثم بين صفة من ينجو ، وهم المتقون ، والفاسق لا يكون متقيا فبقي في النار أبدا .
وأجيب عن ذلك بأن المتقي هو الذي يتقي الشرك ، فصاحب الكبيرة متق ، فوجب أن يخرج من النار بعموم قوله :
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
فالآية التي توهموها دليلا لهم هي من أقوى الدلائل على فساد قولهم ، وهذا من حيث البحث وأما من حيث النص فقد وردت أحاديث تدل على إخراج المؤمن الموحد من النار وهي معروفة .
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 72 إلى 76 ]
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ( 72 ) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ( 74 ) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ( 75 ) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 )
ثُمَّ نُنَجِّي
أي نخرج
الَّذِينَ اتَّقَوْا
ما يوجب النار وهو الكفر باللّه ومعاصيه وترك ما شرعه ، وما أوجب العمل به من النار فلا يخلدون بعد أن أدخلوها قرىء ننجي بالتخفيف من أنجى ؛ وقرىء بالتشديد وهما سبعيتان
وَنَذَرُ
أي نترك
الظَّالِمِينَ
الذين ظلموا أنفسهم بفعل ما يوجب النار ، أو ظلموا غيرهم بمظلمة في النفس أو المال أو العرض
فِيها
أي في النار
جِثِيًّا
على الركب جمع جاث ، وقد تقدم قريبا . قال ابن عباس جثيا باقين فيها .
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ
واضحات لا يلتبس معانيها . وقيل ظاهرات