تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
الإعجاز ، وقيل إنها حجج وبراهين والأول أولى ، وهي حال مؤكدة لأن آيات اللّه لا تكون إلّا واضحة ، والضمير في عليهم راجع إلى الكفار الذي سبق ذكرهم في قوله
أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا
[ مريم : 66 ] ، أي هؤلاء إذا قرىء عليهم القرآن تعذروا بالدنيا وقالوا : لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس : لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه ، وقيل : عليهم أي على المؤمنين والأول أظهر ، ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله :
قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
للإشعار بأن كفرهم هو السبب لصدور هذا القول عنهم ، وقيل المراد بهم هنا هم المتمردون المصرون منهم ، والأغنياء المتجملون بالثياب وغيرها . ومعنى
لِلَّذِينَ آمَنُوا
قالوا لأجلهم ، وقيل هي لام التبليغ كما في قوله :
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ
[ البقرة : 247 ] أي خاطبوهم وشافهوهم بذلك ، وبلغوا القول إليهم ، يعني فقراء أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة وفي منزلهم ضيق ، وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رؤوسهم ويلبسون أفخر ثيابهم .
أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ
المراد بهما المؤمنون والكافرون ، كأنهم قالوا فريقنا
خَيْرٌ مَقاماً
أم فريقكم ؟ وقرىء بضم الميم ، وهو موضع الإقامة أو مصدر بمعناها ، وبالفتح منزلا ومسكنا فهو غير النادي إذ هو متحدث القوم ، وقيل هو الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة ، والمعنى أي الفريقين أكبر جاها وأكثر أعوانا وأنصارا . وعن مجاهد في الآية قال : قريش تقوله لها ولأصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال ابن عباس : مقاما المنازل
وَأَحْسَنُ نَدِيًّا
قال ابن عباس : نديا المجالس . والنّديّ والنادي مجلس القوم ومتحدثهم ومجتمعهم . ومنه قوله تعالى :
وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ
[ العنكبوت : 29 ] وقوله :
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ
[ العلق : 17 ] أي أهل ناديه . وناداه جالسه في النادي ومنه دار الندوة لأن المشركين كانوا يتشاورون فيها في أمورهم . وقيل هو مشتق من الندى وهو الكرم لأن الكرماء يجتمعون فيه .
وَكَمْ
أي كثيرا
أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ
هي الجماعة والأمة الماضية وهو مفرد لفظا متعدد معنى
هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً
هو المال أجمع الإبل والغنم والبقر والعبيد والمتاع . وقيل هو متاع البيت خاصة ، وقيل هو الجديد من الفرش ، وقيل اللباس خاصة
رِءْياً
بمعنى المرئي ، وهو كالذّبح والطّحن بمعنى المذبوح والمطحون قرىء بالهمزة ، وقرىء بالياء المشددة من رأيت أي هم أحسن منظرا ، وبه قال جمهور المفسرين : وحسن المنظر يكون من جهة حسن اللباس وحسن الأبدان وتنعمها أو مجموع الأمرين .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 312 | صديق الحسيني القنوجي البخاري