الأول : وما نتنزل عليك إلا بأمر ربك لنا بالتنزل .
والثاني : وما نتنزل عليك إلا بأمر ربك الذي يأمرك به بما شرعه لك ولأمتك .
والتنزل : النزول على مهل فإنه مطاوع نزل بالتشديد وقد يطلق على مطلق النزول كما يطلق نزل المشدد بمعنى أنزل .
وقد أخرج البخاري وغيره ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ « 1 » فنزلت هذه الآية إلى آخرها وكان ذلك الجواب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي الباب روايات تدل على أنه السبب في النزول ، ثم أكد جبريل ما أخبر به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال .
لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ
أي من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من الزمان أو المكان الذي نحن فيه ، فلا نقدر أن ننتقل من جهة إلى جهة ، ومن مكان إلى مكان أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته ، وقيل المعنى له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة . قاله سعيد بن جبير .
وقيل ما أمامنا من أمور الآخرة وما خلفنا من أمور الدنيا وما بين ذلك أي ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة ، وقيل هو ما بين النفختين قاله قتادة ، وقبل الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا والسماء التي وراءنا وما بين السماء والأرض وقيل ما مضى من أعمارنا وما غبر منها ؛ والحالة التي نحن فيها وعلى هذه الأقوال كلها يكون المعنى : أن اللّه سبحانه هو المحيط بكل شيء ، لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة ، فلا نقدم على أمر إلا بإذنه ، وقال ما بين ذلك ولم يقل ما بين ذينك لأن المراد ما بين ما ذكرنا كما في قوله سبحانه
عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
[ البقرة : 68 ] .
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
ناسيا أي لم ينسك ولم يتركك وإن تأخر عنك الوحي وقيل المعنى أنه عالم بجميع الأشياء لا ينسى منها شيئا ، وقيل المعنى وما كان ربك ينسى الإرسال إليك عند الوقت الذي يرسل فيه رسله .
أخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم ، وابن مردويه والطبراني والبيهقي والحاكم « 2 » وصححه عن أبي الدرداء رفع الحديث ، قال : ما أحل اللّه في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من اللّه عافيته فإن اللّه لم يكن لينسى شيئا ثم تلا :
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
ومن حديث جابر عند ابن مردويه مثله .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 19 ، باب 2 ، والتوحيد باب 28 ، وبدء الخلق باب 6 ، والترمذي في تفسير سورة 19 ، باب 4 ، وأحمد في المسند 1 / 231 ، 234 ، 357 .
( 2 ) المستدرك ، كتاب التفسير ، 2 / 375 .