والمعنى أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤلمهم ؛ وإنما يسمعون ما يسلمهم ؛ وأبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه ذكرها سليمان الجمل .
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
قال المفسرون : ليس في الجنة بكرة ولا عشية ولا نهار ولا ليل بل ضوء ونور أبدا ، ولكنهم يؤتون رزقهم على مقدار ما يعرفون من الغداء والعشاء في الدنيا ، وبه قال ابن عباس وإنما يعرفون الليل بإرخاء الحجب ، وغلق الأبواب ، والنهار بفتحها ورفع الحجب ، كما روي ، والرزق في البكرة والعشي ، أفضل العيش عند العرب ، وقيل أراد دوام الرزق .
أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، عن الحسن وأبي قلابة قالا : قال رجل يا رسول اللّه هل في الجنة من ليل ؟ قال وما هيجك على هذا ؟ قال سمعت اللّه يذكر في الكتاب :
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
فقلت الليل من البكرة والعشي ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس هناك ليل وإنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو ، تأتيهم طرف الهدايا من اللّه بمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة » .
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا
أي هذه الجنة التي وصفنا أحوالها نورثها ونعطيها وننزل بها من كان من أهل التقوى ، كما لتقي على الوارث مال مورثه ، ولا يرد كالميراث الذي يأخذه الوارث فلا يرجع فيه المورث ، أي نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم ، قرىء نورث بفتح الواو وتشديد الراء من ورّث مضعفا وبالتخفيف ، وقرأ الأعمش نورثها بإبراز عائد الموصول .
وقيل في الكلام تقديم وتأخير ، أي نورث من كان تقيا من عبادنا والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التمليك ، والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع ولا تبطل بردّ ولا إسقاط ، وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار ، لو أطاعوا زيادة في كرامتهم .
والآية تدل على أن المتقي يدخلها ، وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها ، وأيضا صاحب الكبيرة متق عن الكفر
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ
أي قال اللّه سبحانه قال يا جبريل ، وما نتنزل وقتا غب وقت ، إلا بأمر اللّه على ما تقتضيه حكمته ، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استبطأ نزول جبريل عليه حين سألوه في أمر الروح ، وأصحاب الكهف ، وذي القرنين ، فأمر جبريل أن يخبره بأن الملائكة ما تتنزل إلا بأمر اللّه ، قيل احتبس جبريل عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أربعين يوما ، وقيل خمسة عشر ، وقيل اثني عشر ، وقيل ثلاثة أيام ، وقيل إن هذا حكاية عن أهل الجنة ، وإنهم يقولون عند دخولها وما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر ربك ، والأول أولى بدلالة ما قبله ، ومعناه يحتمل وجهين :