وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ
أي من ذرية من حملنا معه في السفينة ، وهم من عدا إدريس ، فإن إدريس من ذرية آدم لقربه منه ، وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه من ذرية سام بن نوح ، فإن إبراهيم بن آزر وبينه وبين نوح عشرة قرون كما في التحبير .
وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ
وهم الباقون
وَ
من ذرية
إِسْرائِيلَ
وهو يعقوب ؛ وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية . وقيل إنه أراد بقوله من ذرية آدم إدريس وحده ، وبقوله ممن حملنا مع نوح إبراهيم وحده ، وبقوله ومن ذرية إبراهيم ، إسماعيل وإسحاق ويعقوب ، وبقوله إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ، قال السدي : هذه تسمية الأنبياء الذين ذكرهم ، أما من ذرية آدم فإدريس ونوح وأما من ذرية من حمل مع نوح فإبراهيم ، وأما ذرية إبراهيم فإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، وأما ذرية إسرائيل فموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ، لأن مريم من ذريته .
وَمِمَّنْ هَدَيْنا
أي من جملة من هدينا إلى الإسلام
وَاجْتَبَيْنا
بالإيمان وقيل على الأنام وهذا آخر الصفات ، والتقدير والكائنين ممن هدينا الخ ، واعلم أنه تعالى أثنى على كل واحد ممن تقدم ذكره من الأنبياء بما يخصه من الثناء ، ثم جمعهم آخرا فقال أولئك الخ ، فرتب تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبها بذلك على أنهم كما فضلوا بأعمالهم فلهم منزلة في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء ، ثم بين أنهم ممن هدينا واجتبينا منبها بذلك على أنهم خصوا بهذه المنازل لهداية اللّه لهم ، ولأنه اختارهم للرسالة .
إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا
وهذا خير لأولئك ، ويجوز أن يكون الخبر هو الذين أنعم اللّه عليهم ، وهذا استئناف لبيان خشوعهم للّه وخشيتهم منه ، والسجد والبكيّ جمع ساجد قياسا وباك على غير قياس ، وقياسه بكاة ، كقاض وقضاة ، وقد تقدم في سبحان بيان معنى خروا سجدا ، يقال بكى يبكي بكاء وبكيا ؛ قال الخليل : إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن ، أي ليس معه صوت ، ومنه قول الشاعر :
بكت عيني وحقّ لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل « 1 »
قال الزجاج : قد بين اللّه أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات اللّه بكوا وسجدوا خضوعا وخشوعا وخوفا وحذرا ، والمراد من الآيات ما خصهم به من الكتب المنزلة
هامش
( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لحسان بن ثابت في جمهرة اللغة ص 1027 ، وليس في ديوانه ، ولعبد اللّه ابن رواحة في ديوانه ص 98 ، وتاج العروس ( بكى ) ، ولكعب بن مالك في ديوانه ص 252 ، ولسان العرب ( بكا ) ، ولحسان أو لكعب أو لعبد اللّه في شرح شواهد الشافية ص 66 ، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص 304 ، ومجالس ثعلب ص 109 ، والمنصف 3 / 40 .