ولا نجعت فيكم دعوتي ، وهذا في مقابلة قوله :
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
.
وَأَدْعُوا رَبِّي
وحده
عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا
أي خائبا كما شقيتم بعبادة الأوثان . وقيل عاصيا قيل : أراد بهذا الدعاء هو أن يهب اللّه له ولدا وأهلا يستأنس بهم في اعتزاله ويطمئن إليهم عند وحشته ، وفي تصدير الكلام بعسى التواضع وهضم النفس والتنبيه على أن الإجابة والإثابة تفضل منه تعالى غير واجبين وأن ملاك الأمر خاتمته وهو عيب .
وقيل : أراد دعاءه لأبيه بالهداية ، وعسى للشك لأنه كان لا يدري أيستجاب له فيه أم لا ، والأول أولى لقوله :
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي بأن ذهب مهاجرا من بابل أو كوثى إلى الأرض المقدسة
وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
أي جعلنا هذين الموهوبين له أهلا وولدا بدل الأهل الذين فارقهم يأنس بهما . وهذا يقتضي أنه عاش حتى رأى يعقوب وهو كذلك ، كما مرت الإشارة إليه في قوله :
فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ
[ هود : 71 ] ، وخصهما لأنه سيذكر إسماعيل بفضله منفردا قال ابن عباس :
وهبنا له إسحاق ابنا ويعقوب ابن ابنه
وَكُلًّا
مفعول لجعلنا قدم عليه للتخصيص ، لكن بالنسبة إليهم أنفسهم لا بالنسبة إلى من عداهم ، أي كل واحد منهم
جَعَلْنا نَبِيًّا
لا بعضهم دون بعض .
وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا
أي للثلاثة بأن جعلناهم أنبياء ، وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء لبيان أن النبوة هي من باب الرحمة . وقيل المراد بالرحمة هنا المال وسعة الرزق ، وقيل كثرة الأولاد ، وقيل الكتاب ، ولا يبعد أن يندرج تحتها جميع هذه الأمور ومن للتبعيض .
وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا
أي الثناء الحسن قاله ابن عباس ، عبر عنه باللسان لكونه يوجد به ، كما عبر باليد عن العطية ، وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يقال فيهم من الثناء على ألسن العباد ، ففي اللسان مجاز مرسل من اطلاق اسم الآلة وإرادة ما ينشأ منها . والمعنى وجعلنا لهم ثناء صادقا يذكرهم الأمم كلها إلى يوم القيامة ، بما لهم من الخصال المرضية ، ويصلون على إبراهيم وعلى آله إلى قيام الساعة ، وهذا توبيخ لكفار مكة إذ كان مقتضى ترضيهم وثنائهم على المذكورين أن يتبعوهم في الدين مع أنهم لم يفعلوا .
ثم قفى اللّه سبحانه قصة إبراهيم بقصة موسى لأنه تلوه في الشرف ، وقدمه على إسماعيل لئلا يفصل بينه وبين ذكر يعقوب فقال :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
أي واقرأ عليهم من القرآن قصة
مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً