وقيل معناه اعتزلني سالم العرض سويا لا تصيبك مني معرة ، واختار هذا ابن جرير وعن ابن عباس قال : اجتنبني سويا واجتنبني سالما قبل أن تصيبك مني عقوبة وعن عكرمة : مليا دهرا ، وعن قتادة : سالما ، وعن الحسن مثله ، فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على العناد
قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ
أي تحية توديع ومقاطعة ومتاركة ، كقوله تعالى :
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
[ الفرقان : 63 ] .
وقيل معناه أمنة مني لك . قاله ابن جرير . وإنما أمنه مع كفره لأنه لم يؤمر بقتاله والأول أولى وبه قال الجمهور .
وقيل معناه الدعاء له بالسلامة استمالة له ورفقا به ، وهذا في مقابلة قوله :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ
[ مريم : 46 ] ، وهذا مقابلة للسيئة بالحسنة . ثم وعده بأن يطلب له المغفرة من اللّه سبحانه تألفا له وطمعا في لينه وذهاب قسوته .
والشيخ لا يترك أخلاقه * حتى يوارى في ثرى رمسه
فقال :
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي
وكان منه هذا الوعد قبل أن يعلم أنه يموت على كفره وتحق عليه الكلمة . ولهذا قال اللّه سبحانه في موضع آخر :
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ
[ التوبة : 114 ] بعد قوله :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ
[ التوبة : 114 ] وقيل المراد باستغفاره له طلب توفيقه للإيمان الموجب للمغفرة ، أي سأسأل لك ربي توبة تنال بها المغفرة ، يعني الإسلام ، والاستغفار للكافر بهذا الوجه جائز ، كأنه يقول اللهم وفقه للإسلام أو تب عليه واهده . قاله الكرخي والصحيح هو الأول .
إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا
تعليل لما قبلها ، والمعنى سأطلب لك المغفرة من اللّه ، فإنه كان بي كثير البر واللطف . يقال حفي به وتحفى إذا بره . قال الكسائي . يقال حفي بي حفاوة وحفوة أي اعتنى بي وبالغ في إكرامي والطافي . وقال الفراء : حفيا أي عالما لطيفا يجيبني إذا دعوته . وبه قال ابن عباس : والحفي أيضا المستقصي في السؤال ، ومنه كأنك حفي عنها .
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 48 إلى 53 ]
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 ) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ( 51 ) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ( 52 )
وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا ( 53 )
ثم صرح الخليل بما تضمنه سلامه من التوديع والمتاركة فقال :
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم حيث لم تقبلوا نصحي