تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ
أي بعض العلم وهو علم الوحي أو التوحيد أو الآخرة أقوال ثلاثة ذكرها أبو حيان فأخبر أنه قد وصل إليه من العلم نصيب لم يصل إلى أبيه ، وأنه قد تجدد له حصول ما يتوصل به منه إلى الحق ويقتدر به على إرشاد الضال ، ولهذا أمره باتباعه فقال :
فَاتَّبِعْنِي
في الإيمان ، والتوحيد
أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
مستويا موصلا إلى المطلوب منجيا من المكروه ثم أكد ذلك بنصيحة أخرى زاجرة له عما هو فيه فيقال :
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ
أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي من طاعة الشيطان ثم علل ذلك بقوله :
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا
حين ترك ما أمره به من السجود لآدم . ومن أطاع من هو عاص للّه سبحانه فهو عاص للّه ، والعاصي حقيق بأن تسلب عنه النعم وتحل به النقم ، قال الكسائي : العصي والعاصي واحد ، ثم بين له الباعث على هذه النصائح فقال :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
إن لم تتب . قال الفراء : معنى أخاف هنا أعلم وبه فسر الأقلون الآية ، وإليه أشار في التقرير وقال الأكثرون : إن الخوف هنا محمول على ظاهره لأن إبراهيم غير جازم بموت أبيه على الكفر ، إذ لو كان جازما بذلك لم يشتغل بنصحه ، فوجب إجراؤه على ظاهره ، ومعنى الخوف على الغير ، هو أن يظن وصول الضرر إلى ذلك الغير .
فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
أي أنك إن أطعت الشيطان كنت معه قرينا في النار واللعنة . فتكون بهذا السبب مواليا له أو تكون بسبب موالاته في العذاب معه ، وليس هناك ولاية حقيقية لقوله سبحانه :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
[ الزخرف : 67 ] . وقيل الولي بمعنى التالي ؛ وقيل بمعنى القريب . قال الشهاب : الوليّ من الولي وهو القرب ، وكل من المتقاربين قريب من صاحبه أي تكون للشيطان قريبا منه في النار ، تليه ويليك ، فلما مرت هذه النصائح النافعة والمواعظ المقبولة بسمع آزر قابلها بالغلظة والفظاظة والقسوة المفرطة ، حيث :
قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ
ناداه باسمه ولم يقابل يا أبت بيا بني وأخره وقدم الخبر على المبتدأ . وصدره بهمزة الاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب ، والإنكار نفس الرغبة كأنها مما لا يرغب عنها عاقل . والمعنى أمعرض أنت عن ذلك ومنصرف إلى غيره . ثم توعده وهدده فقال :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ
عن مقالتك فيها أو الرغبة عنها ، واللام للقسم
لَأَرْجُمَنَّكَ
بالحجارة حتى تموت ، وقيل باللسان فيكون معناه لأشتمنك . قاله ابن عباس ، وقيل معناه لأضربنك وقيل لأبعدنك عني بالقول القبيح ، وقيل لأظهرن أمرك فاحذرني
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
أي زمانا طويلا . وقال ابن عباس حينا . قال الكسائي : يقال هجرته مليا وملوة وملاوة ، بمعنى الملاوة من الزمان وهو الطويل .