تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ
قال أبو العباس : العرب تقول هذا في موضع التعجب فيقولون أسمع بزيد وأبصر به ، أي ما أسمعه وأبصره ، فعجب اللّه سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم منهم . وقال السمين : هذا لفظ أمر ومعناه التعجب ، وقيل بل هو أمر حقيقة ، والمأمور هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمعنى أسمع الناس وأبصرهم بهم وبحالهم ، ماذا تصنع بهم من العذاب ، وهو منقول عن أبي العالية ، وقال ابن عباس : يقول الكفار يومئذ : أسمع شيء وأبصره ، وهم اليوم لا يسمعون ولا يبصرون .
يَوْمَ يَأْتُونَنا
للحساب والجزاء
لكِنِ الظَّالِمُونَ
الأصل لكنهم وهو من إقامة الظاهر مقام المضمر للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم
الْيَوْمَ
أي في الدنيا
فِي ضَلالٍ
أي خطأ
مُبِينٍ
أي واضح ظاهر ، ولكنهم اغفلوا التفكر والاعتبار والنظر في الآثار
وَأَنْذِرْهُمْ
أي خوّف يا محمد كفار مكة
يَوْمَ الْحَسْرَةِ
أي يوم يتحسرون جميعا ، فالمسيء يتحسر على إساءته ، والمحسن على عدم استكثاره من الخير . وعن ابن عباس قال : يوم الحسرة هو من أسماء يوم القيامة ، وقرأ
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
[ الزمر : 56 ] ، وفي سنده علي بن أبي طلحة وهو ضعيف ، والآية التي استدل بها ابن عباس لا تدل على المطلوب لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام .
إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ
من الحساب وطويت الصحف وصار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
أي غافلين عما يعمل بهم وتلك الحال متضمنة للتعليل ، أي أنذرهم لأنهم في حالة يحتاجون فيها إلى الإنذار ، وهي الغفلة والكفر .
وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
به ، أخرج البخاري ومسلم وغيرهم ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار ، فيقال : يا أهل الجنة هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون ، وينظرون إليه ، فيقولون : نعم هذا الموت ، وكلهم قد رآه ، ثم ينادي يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون نعم هذا الموت ، وكلهم قد رآه فيؤمن به فيذبح ، ويقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ؛ ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ
الآية وأشار بيده فقال أهل الدنيا في غفلة « 1 » . وأخرج النسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه .

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 40 إلى 47 ]

إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 41 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 ) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 ) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 ) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 )
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 19 ، باب 1 ، ومسلم في الجنة حديث 40 ، والترمذي في تفسير سورة 19 ، باب 2 ، والدارمي في الرقاق باب 90 ، وأحمد في المسند 2 / 423 ، 3 / 9 .