تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
قال قتادة : وهم الذين قال اللّه فيهم : فاختلف الأحزاب من بينهم ، فاختلفوا فيه فصاروا أحزابا ، فاختصم القوم فقال المرء المسلم أنشدكم باللّه هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام وأن اللّه لا يطعم ؟ قالوا اللهم نعم . قال فهل تعلمون أن عيسى كان ينام وأن اللّه لا ينام ؟ قالوا اللهم نعم ، فخصمهم المسلمون فاقتتل القوم فذكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون ، فأنزل اللّه
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
[ مريم : 37 ] .
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
أي ما صح ولا استقام ذلك . قال الزجاج :
مِنْ
مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة ، والمعنى ما كان من صفته اتخاذ الولد أي ثبوت الولد له محال . ثم نزه اللّه نفسه فقال :
سُبْحانَهُ
أي تنزه وتقدس عن مقالتهم هذه . ثم صرح سبحانه بما هو شأنه ، تعالى سلطانه فقال :
إِذا قَضى أَمْراً
من الأمور وهذا بمنزلة التعليل لما قبله
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
أي فيكون حينئذ بلا تأخير لا يتعذر عليه إيجاده على الوجه الذي أراده ، وفي إيراده في هذا الموضع تبكيت عظيم وإلزام بالحجة للنصارى ، أي من كان هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد ، وقد سبق الكلام على هذا مستوفى في البقرة .
وَإِنَّ اللَّهَ
بفتح أن بتقدير اذكر أو لأن ، وإليه ذهب الزمخشري تابعا للخليل وسيبويه ، وبكسرها بتقدير قل ، أو على الاستئناف ، وقيل على الأول أنها عطف على الصلاة ، أي أوصاني بالصلاة وبأن اللّه ، وإليه ذهب الفراء ، ولم يذكر مكي غيره ، وقيل على الثاني عطف على قوله إني عبد اللّه ، وهو من البعد بمكان
رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
هذا من تمام كلام عيسى بدليل ما قلت لهم إلا ما أمرتني الآية .
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
أي الذي ذكرته لكم من أنه ربي وربكم ، هو الطريق القيم الذي لا اعوجاج فيه ولا يضل سالكه
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ
أي اليهود والنصارى
مِنْ بَيْنِهِمْ
أي فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى ، فأفرطت النصارى وغلت وفرطت اليهود وقصرت ، ومن زائدة وقيل للتبعيض إذ بقي منهم فرقة أخرى مؤمنة يقولون إنه عبد اللّه كما تقدم .
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
وهم المختلفون في أمره ، عبر عنهم بالموصول إيذانا بكفرهم جميعا وإشعارا بعلة الحكم
مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
أي من شهود يوم القيامة وما يجري فيه من الحساب والجزاء والعقاب ، أو من مكان الشهود فيه ، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم . وقيل المعنى فويل لهم من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور .