ما كانَ أَبُوكِ
أي عمران
امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ
أي حنة
بَغِيًّا
هذا فيه تقرير لما تقدم من التعيير والتوبيخ وتنبيه على أن الفاحشة من ذرية الصالحين ، مما لا ينبغي أن تكون
فَأَشارَتْ
أي مريم
إِلَيْهِ
أي إلى عيسى أن كلموه ، وإنما اكتفت بالإشارة ولم تأمره بالنطق لأنها نذرت للرحمن صوما عن الكلام ، كما تقدم هذا على تقدير أنها كانت إذ ذاك في أيام نذرها ، وعلى تقدير أنها قد خرجت منها فيمكن أن يقال إن اقتصارها على الإشارة للمبالغة في إظهار الآية العظيمة ، وأن هذا المولود يفهم الإشارة ويقدر على العبارة .
قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
هذا الاستفهام للإنكار والتعجب من إشارتها إلى ذلك المولود بأن يكلمهم ، قال أبو عبيدة : في الكلام حشو زائد والمعنى كيف نكلم صبيا في المهد .
وقال الزجاج : الأجود أن يكون
مَنْ
في معنى الشرط والجزاء والمعنى من يكون في المهد صبيا فكيف نكلمه ، ورجحه ابن الأنباري ، وقيل إن كان هنا التامة التي هي بمعنى الحدوث والوجود ، وردّ بأنها لو كانت تامة لاستغنت عن الخبر ، وقيل : إنها بمعنى صار .
وقيل : إنها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع ، ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل ، والمهد هو شيء معروف يتخذ لتنويم الصبي ، ولفظ القاموس المهد الموضع يهيأ للصبي ويوطأ ، والأرض كالمهاد ، والجمع مهود انتهى ، وقيل : هو هنا حجر الأم ؛ وقيل سرير كالمهد .
والمعنى كيف نكلم من سبيله أن ينوّم في المهد لصغره . فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
فكان أول ما نطق به الاعتراف بالعبودية للّه ، لئلا يتخذوه إلها وفيه إزالة التهمة عن الأم لأن اللّه لم يختص بهذه المرتبة العظيمة من ولد في الزنا ، ووصف نفسه بصفات ثمانية ، أولها العبودية وآخرها تأمين اللّه له في أخوف المقامات
آتانِيَ الْكِتابَ
أي الإنجيل
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
أي حكم لي بإيتاء الكتاب ، والنبوة في الأزل وإن لم يكن قد نزل عليه في تلك الحال ولا قد صار نبيا ، وقيل إنه آتاه الكتاب وجعله نبيا في تلك الحال وهو بعيد جدا .
وعن أنس قال : كان عيسى قد درس الإنجيل وأحكامها في بطن أمه فذلك قوله آتاني الكتاب ، وهو أبعد ، وقال عكرمة : قضى أن أكون كذلك ، ومثله قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد » « 1 » .
هامش
( 1 ) لفظ الحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل : « متى وجبت لك النبوة قال : وآدم بين الروح والجسد » ، وقد أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في المناقب باب 1 ، وأحمد في المسند 4 / 66 ، 5 / 59 ، 379 .