تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
قال أبو عبيدة : كل ممسك من طعام أو كلام أو سير فهو صائم ، وقراءة أبي تدل على أن المراد بالصوم هنا الصمت ، لأنه تفسير للصوم ، وقراءة أنس تدل على أن الصوم هنا غير الصمت كما يفيده الواو ، ومعنى
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
أنها لا تكلم أحدا من الإنس بعد إخبارهم بهذا الخبر ، بل إنما تكلم الملائكة وتناجي ربها . ولما اطمأنت مريم عليها السلام بما رأت من الآيات
فَأَتَتْ بِهِ
أي بعيسى
قَوْمَها تَحْمِلُهُ
أي أتت مصاحبة له وكان إتيانها إليهم في المكان القصي الذي انتبذت فيه للوضع قيل : في يوم الوضع ، وقيل بعد أن طهرت ، قال ابن عباس : بعد أربعين يوما بعدما تعالت من نفاسها ، فلما رأوا الولد معها حزنوا ، وكانوا أهل بيت صالحين .
قالُوا
منكرين لذلك
يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ
أي فعلت ، وارتكبت
شَيْئاً فَرِيًّا
عجيبا نادرا قاله أبو عبيدة ، وقال مجاهد : الفريّ العظيم أي من الأمر يقال في الخير والشر . وقال قطرب : الفريّ الجديد من الأسقية أي جئت بأمر بديع جديد لم تسبقي إليه وقيل الفريّ القطع أي شيئا قاطعا وخارقا للعادة التي هي الولادة بواسطة الأب وقال سعيد بن مسعدة : الفريّ المختلق المفتعل ، والاسم الفرية ويقال فريت الجلد وأفريت بمعنى واحد قطعته والولد من الزنا كالشئ المفتري قال تعالى :
وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ
[ الممتحنة : 12 ] .
يا أُخْتَ هارُونَ
هذا من كلامهم أيضا ، وقد وقع الخلاف في معنى هذه الإخوة وفي هارون المذكور ، من هو ؟ فقيل هو هارون أخو موسى ، والمعنى أن من كانت نظنها مثل هارون في العبادة كيف تأتي بمثل هذا ؟ وقيل كانت مريم من ولد هارون أخي موسى ، فقيل لها يا أخت هارون كما يقال لمن كان من العرب يا أخا العرب ، وقيل كان لها أخ من أبيها اسمه هارون ، وقيل : هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت شبهت به في عفتها وصلاحها ، وقيل : بل كان في ذلك الوقت رجل فاسق اسمه هارون فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ حكاه ابن جرير ولم يسم قائله ، وهو ضعيف . وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال : بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أهل نجران فقالوا : أرأيت ما تقرؤون يا أخت هارون ؟ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم » « 1 » ، وهذا التفسير النبوي يغني عن سائر ما روي عن السلف في ذلك .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الأدب حديث 9 ، والترمذي في تفسير سورة 19 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 4 / 252 .