تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
منبه وبالثاني ، قال مجاهد : وقد يطلق الوحي على الكتابة . قال ابن عباس : كتب لهم كتابا
أَنْ سَبِّحُوا
مصدرية أو مفسرة ، والمعنى فأوحى إليهم بأن صلوا ؛ أو أي صلوا .
بُكْرَةً وَعَشِيًّا
أي نزهوا ربكم طرفي النهار ؛ فهما ظرفا زمان للتسبيح . وانصرفت بكرة لأنه لم يقصد بها العلمية ، فلو قصد بها العلمية امتنعت من الصرف ، قال الفراء : العشي يؤنث ، ويجوز تذكيره إذا أبهم ، قال : وقد يقال : العشي جمع عشية قيل والمراد صلاة الصبح والعصر ، وقيل المراد بالتسبيح هو قولهم سبحانه اللّه .
يا يَحْيى
أي قال اللّه للمولود يا يحيى ، أو ولد له مولود فبلغ المبلغ لذي يجوز أن يخاطب فيه . فقلنا له يا يحيى . وقال الزجاج : المعنى فوهبنا له وقلنا له يا يحيى أي بعد ولادته بثلاث سنين على ما قاله قتادة ، وقيل بسنتين يعني على لسان الملك كما قاله أبو حيان
خُذِ الْكِتابَ
المراد به التوراة لأنه المعهود حينئذ ، ويحتمل أن يكون كتابا مختصا به وإن كنا لا نعرفه الآن . والمراد بالأخذ إما الأخذ الحسي ، أو الأخذ من حيث المعنى ، وهو القيام بما فيه كما ينبغي ، وذلك بتحصيل ملكة تقضي سهولة الإقدام على المأمور به ، والإحجام على المنهي عنه ، ثم أكده بقوله :
بِقُوَّةٍ
أي متلبسا بجد ، وعزيمة ، واجتهاد قاله مجاهد .
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
المراد بالحكم الحكمة ، وهي الفهم للكتاب الذي أمر بأخذه ، وفهم الأحكام الدينية ، وقيل هي العلم وحفظه والعمل به : وقيل النبوة ، وقيل العقل ، وقال مجاهد : الفهم ، وقال مالك بن دينار ، اللب ، ولا مانع من حمل الحكم على جميع ما ذكر ، والجملة مستأنفة . قال ابن عباس : أعطي الفهم ، والعبادة ، وهو ابن سبع سنين ، وعنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قال الغلمان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال يحيى ما للعب خلقنا اذهبوا نصلي ، فهو قول اللّه
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
» أخرجه الحاكم في تاريخه ، وعنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا » ، أخرجه البيهقي ، وأخرجه ابن أبي حاتم موقوفا عليه .
وَحَناناً
معطوف على الحكم ، قال جمهور المفسرين : الحنان الرحمة والرقة والشفقة ، العطف والمحبة وأصله توقان النفس مأخوذ من حنين الناقة على ولدها قال : يقول حنانك يا رب وحنانيك يا رب معنى واحد يريد رحمتك ، قال إن الأول الحنان مشددا من صفات اللّه عز وجل ، والحنان محققا للعطف والرحمة والحنان التوق والبركة . قال ابن عطية : والحنان في كلام العرب أيضا ما عظم من الأمور في ذات اللّه ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل : واللّه لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حنانا ، يعني