تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
بلالا لما مر به وهو يعذب ، وقيل إن القائل لذلك هو ورقة ابن نوفل ، قال الأزهري : معنى ذلك لأترحمن عليه ولأعطفن عليه لأنه من أهل الجنة . ومعنى
مِنْ لَدُنَّا
من عندنا ومن جنابنا ، وقيل المعنى أعطيناه رحمة من لدنا ، كائنة في قلبه ، يتحنن بها على الناس ، ومنهم أبواه وقرابته حتى يخلصهم من الكفر ، قال ابن عباس في
حَناناً
لا أدري ما هو إلا أني أظنه يعطف اللّه على عبده بالرحمة ، وقد فسرها جماعة من السلف بالرحمة كما مر ، ومنه قول الشاعر :
وعسير بلاء حاق به * ويسير حنانك يدفعه
وَزَكاةً
معطوف على ما قبله ، والزكاة التطهير والبركة والتنمية والبر أي جعلناه مباركا للناس يهديهم إلى الخير ، وقيل ذكيناه بحسن الثناء عليه كتزكية الشهود ، وقيل صدقة تصدقنا بها على أبويه قاله ابن قتيبة ، وقيل تصدقا على الناس أي أعطيناه توفيقا للتصدق عليهم وقيل يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص ، وقيل : هي العمل الصالح ، فلم يعمد بذنب .
وَكانَ تَقِيًّا
قال ابن عباس : طهر فلم يأت بذنب أي متجنبا لمعاصي اللّه سبحانه مطيعا له بطبعه ، وقد روي أنه لم يعمل معصية ولم يهم بها قط ، ومن جملة تقواه أنه كان يتقوت بالعشب ، وكان كثير البكاء فكان لدمعه مجار على خده .

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 14 إلى 20 ]

وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 ) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 )
وَبَرًّا
فعل بمعنى فاعل أي بارا
بِوالِدَيْهِ
والمعنى لطيفا بهما محسنا إليهما ، لأنه لا عبادة بعد تعظيم اللّه أعظم من برهما يدل عليه قوله تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
[ الإسراء : 23 ] .
وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا
أي لم يكن متكبرا يقتل ، ويضرب على الغضب ، ولا عاصيا لوالديه ، أو لربه ، وهذا وصف له عليه السلام بلين الجانب وخفض الجناح ، والمراد أصل الفعل ، فالمنفي أصل الجبر ، والعصيان ، لا المبالغة فيهما
وَسَلامٌ
منا
عَلَيْهِ
. قال ابن جرير وغيره : معناه أمان عليه من اللّه ، قال ابن عطية : والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 280 | صديق الحسيني القنوجي البخاري