تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ
أي من قبل يحيى ، والجملة حال وقرأ سائر الكوفيين وقد خلقناك
وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
لأن المعدوم ليس بشيء ، هذه الجملة مقررة لما قبلها قال الزجاج : أي فخلق الولد لك كخلقك ، والمعنى أن اللّه سبحانه خلقه ابتداء وأوجده من العدم المحض ، فإيجاد الولد له بطريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه ، وإنما لم ينسب ذلك إلى آدم عليه السلام لأنه المخلوق من العدم حقيقة بأن يقول : وقد خلقت أباك آدم من قبل ولم يك شيئا ، للدلالة على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشاء آدم من العدم .
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
أي علامة تدلني على وقوع المسؤول وتحققه وحصول الحبل . والمقصود من هذا السؤال تعريفه وقت العلوق حيث كانت البشارة مطلقة عن تعيينه قال ابن الأنباري : وجه ذلك أن نفسه تاقت إلى سرعة الأمر فسأل اللّه آية يستدل بها على قرب ما منّ به عليه ، وقيل : طلب آية تدله على أن البشرى من اللّه سبحانه لا من الشياطين ، لأن إبليس أو همه بذلك ، كذا قال الضحاك والسدي وهو بعيد جدا .
قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
نصب على الحال أي آيتك أن لا تقدر على الكلام ، والحال أنك سوي الخلق صحيح سليم من غير بأس ليس بك آفة تمنعك منه ، والمراد ثلاث ليال بأيامها ، كما في آل عمران
ثَلاثَةِ أَيَّامٍ
[ البقرة : 196 ] وإنما عبر هنا بالليالي ، وهناك بالأيام ، لأن هذه السورة مكية ، والمكي سابق على المدني ، والليل سابق على النهار ، فأعطي السابق للسابق ؛ وأعطي المؤخر للمؤخر ، وقيل : ثلاث ليال متتابعات ، والأول أولى ، قال ابن عباس : اعتقل لسانه من غير مرض ، وفي لفظ من غير خرس .
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ
أي من مصلاه متغير اللون ؛ عاجز الكلام فأنكروا ذلك عليه ، في القاموس : المحراب الغرفة ، وصدر البيت ، وأكرم مواضعه ، ومقام الإمام من المسجد ، والموضع الذي يتفرد به الملك فيتباعد عن الناس ، ومحاريب بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها . وفي الشهاب : وأما المحراب المعروف الآن ، وهو طاق مجوّف في حائط المسجد يصلي فيه الإمام فهو محدث لا تعرفه العرب ، فتسميته محرابا اصطلاح للفقهاء انتهى ، وهو ممنوع ؛ بل هو معنى لغوي إذ هو من أفراد المعنى اللغوي الذي ذكره في القاموس بقوله : ومقام الإمام بالمسجد واشتقاقه من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان ، وقيل من الحرب محركا ؛ كأن ملازمه يلقى حربا وتعبا ونصبا .
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ
أي أومأ ؛ وأشار ، بدليل قوله في آل عمران :
إِلَّا رَمْزاً
[ آل عمران : 41 ] وقيل كتب لهم على الأرض ، وبالأول قال الكلبي ، والقرظي وقتادة وابن