تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
تقدم الكلام على هذا في آل عمران ، وقيل هو روح عيسى لأن اللّه سبحانه خلق الأرواح قبل الأجساد . والأول أولى لقوله :
فَتَمَثَّلَ
أي جبريل عليه السلام
لَها
بعد لبسها ثيابها
بَشَراً سَوِيًّا
تاما مستوي الخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شيئا . وقال البيضاوي : ولعله أي التمثل ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها ، ا ه قال في الخميس في أحوال أنفس نفيس : فيه نظر ، انتهى ، ولم يبين أحد هذا النظر الصحيح لا هو ولا غيره من المفسرين فيما تصفحت إلا أبا السعود حيث قال : هو مع مخالفته لمقام بيان آثار القدرة الخارقة للعادة يكذبه قوله تعالى :
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
فإنه شاهد عدل بأنه لم يخطر ببالها شائبة مثل ما إليه فضلا عما ذكر من الحالة المرتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة . نعم كان تمثله على ذلك الحسن الفائق والجمال الرائق لابتلائها وسبر عفتها ، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه ، وذكره تعالى بعنوان الرحمانية للمبالغة في العياذ به تعالى واستجلاب آثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها ا ه . وقد تكلموا في كيفية تمثله ، فقال إمام الحرمين : يفني اللّه الزائد من خلقه أو يزيله عنه ثم يعيده إليه ، يعني أن له أجزاء أصلية كما في الإنسان وأجزاء زائدة ، وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء وقال ابن حجر : إن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفيه اللّه تعالى عن الرأي فقط قاله الكرخي . وقيل إنما ظهر لها في صورة البشر لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه فتفهم كلامه ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه ، وأنها لا تطيق أن تنظر إلى الملك وهو على صورته ، فلما رأته في صورة إنسان حسن كامل الخلق قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت باللّه منه . و
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
أي ممن يتقي اللّه ويخافه ، ويعامل بمقتضى التقوى والإيمان ، وخصت الرحمن بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه . وقيل إن تقيا اسم رجل صالح فتعوذت منه تعجبا . وقيل إنه اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت ، والأول أولى . وتعوذها من تلك الصورة الحسنة دل على كمال عفتها وغاية ورعها ، وجواب الشرط محذوف ، أي فلا تتعرض لي واتركني وانته عني ، أو فتنتهي عني لتعوذي ، وهذه الجملة كقول القائل : إن كنت مؤمنا فلا تظلمني .
قالَ
جبريل
إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ
الذي استعذت به ، ولست ممن يتوقع منه ما خطر على بالك من إرادة السوء ؛ وإنما جئت
لِأَهَبَ لَكِ
جعل الهبة من قبله لكونه سببا فيها ، من جهة كون الإعلام لها من جهته أو من جهة كون النفخ الذي قام
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 282 | صديق الحسيني القنوجي البخاري