تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
قالَ رَبِّ أَنَّى
أي كيف ومن أين
يَكُونُ لِي غُلامٌ
وليس معنى هذا الاستفهام الاستبعاد والإنكار ، بل التعجب والاستكشاف من قدرة اللّه وبديع صنعه حيث يخرج ولدا من امرأة عاقر وشيخ كبير
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً
أي لا تلد ؛ والجملة حال من الياء في لي ، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في آل عمران .
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
أي يأسا ، يريد بذلك نحول الجسم والجلد ودقة العظم أو يبسا جساوة « 1 » في المفاصل والعظام من أجل الكبر والطعن في السن العالية يقال عتا الشيخ يعتو عتيا إذا انتهت سنه وكبر ، وشيخ عات إذا صار إلى حال اليبس والجفاف والأصل عتوا لأنه من ذوات الواو فأبدلوها ياء لكونها أخف قال السمين : فيه أربعة أوجه أظهرها أنه مفعول به ، أو مصدر مؤكد لمعنى الفعل أو مصدر وقع موقع الحال ، أي عاتيا أو ذا عتو ، الرابع أنه تمييز ، وعلى هذه الأوجه الثلاثة
مِنَ
مزيدة ذكره أبو البقاء ، والأول هو الأوجه ، انتهى ، وقرىء عتيا بكسر العين وبضمها وهما لغتان ، وكلتا الجملتين لتأكيد الاستبعاد . والتعجب المستفاد من قوله :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
قال ابن عباس : لا أدري كيف كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ هذا الحرف عتيا أو عتيا . وعن عطاء في قوله عتيا قال : لبث زمانا في الكبر وقال السدي : هرما ، والمعنى كيف يحصل بيننا ولد الآن وقد كانت امرأتي عاقرا لم تلد في شبابها وشبابي ، وهي الآن عجوز وأنا شيخ هرم . ثم أجاب اللّه سبحانه عن هذا السؤال المشعر بالتعجب والاستبعاد بقوله :
قالَ
أي الملك المبلغ للبشارة ، وهو كما قال الكواشي : جبريل عليه السلام ، والأكثر على أنه اللّه تعالى لسلامته عن فك النظم .
كَذلِكَ
أي الأمر كذلك تصديق له والإشارة إلى ما سبق من قول زكريا : ثم ابتدأ بقوله :
قالَ رَبُّكَ
أو قال قولا مثل ذلك ، والإشارة إلى مبهم يفسره قوله :
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
وعلى الأول هذه الجملة مستأنفة مسوقة لإزالة استبعاد زكريا بعد تقريره ، وإنما أعيد : قال ربك ، اهتماما أي قال هو مع بعده عندك ، عليّ هين ، وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع من المراد . قال الفراء : أي خلقه عليّ هين بأن أرد عليك قوة الجماع وأفتق رحم امرأتك للعلوق .
هامش
( 1 ) جسا : ضد لطف ، وجست اليد وغيرها جسوا وجساء يبست ، وجسا الشيخ جسوا : بلغ غاية السن ، والماء ، جمد .