تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
وقال آخرون : إنهم كانوا مهملين لأمر الدين فخاف أن يضيع الدين بموته ، فطلب وليا يقوم به بعد موته ، وهذا القول أرجح من الأول ، لأن الأنبياء لا يورثون ، وهم أجل من أن يعتنوا بأمور الدنيا ، فليس المراد هنا وراثة المال ، بل المراد وراثة العلم والنبوة والقيام بأمر الدين ، وقد ثبت عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، أنه قال : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » « 1 » .
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً
هي التي لا تلد لكبر سنها والتي لا تلد أيضا لغير كبر ، وهي المرادة هنا ؛ ويقال للرجل الذي لا يلد عاقر أيضا . قال ابن جرير : وكان اسم امرأته أشاع بنت فاقود بن ميل ، وهي أخت حنة ، وهي أم مريم ، فولد لأشاع يحيى ولحنة مريم . وقال القتيبي : هي أشاع بنت عمران ، فعلى القول الأول يكون يحيى بن زكريا ابن خالة أم عيسى . وعلى الثاني يكونان ابني خالة ، كما ورد في الحديث الصحيح « 2 » .
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ
أي أعطني من فضلك
وَلِيًّا
مرضيا لأن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك . ولم يصرح بطلب الولد لما علم من نفسه بأنه قد صار هو وامرأته في حالة لا يجوز فيها حدوث الولد بينهما ، وحصوله منهما ، وقد قيل : إنه كان ابن بضع وتسعين سنة ، وقيل : بل أراد بالولي الذي طلبه هو الولد ، ولا مانع من سؤال من كان مثله لما هو خارق للعادة : فإن اللّه سبحانه قد يكرم رسله ما يكون كذلك ، فيكون من جملة المعجزات الدالة على صدقهم
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
قرىء بالرفع في الفعلين جميعا على أنهما صفتان للولي ، وليسا بجواب الدعاء ، وقرىء بالجزم فيهما على أنهما جواب للدعاء ، ورجح الأول أبو عبيد ، وقال : هي أصوب في المعنى لأنه طلب وليا هذه صفته ، فقال : هب لي الذي يكون وارثي . ورجح ذلك النحاس ، والوراثة هنا هي وراثة العلم والنبوة على ما هو الراجح كما سلف . وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن يعقوب المذكور هنا هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم . وزعم بعضهم أنه يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان ، وبه قال الكلبي ومقاتل : وآل يعقوب هم خاصته الذين يؤول أمرهم إليه للقرابة أو الصحبة أو الموافقة
هامش
( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الخمس باب 1 ، وفضائل أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم باب 12 ، والمغازي باب 14 ، 38 ، والنفقات باب 3 ، والفرائض باب 3 ، والاعتصام باب 5 ، ومسلم في الجهاد حديث 49 - 52 ، 54 ، 56 ، وأبو داود في الإمارة باب 19 ، والترمذي في السير باب 44 ، والنسائي في الفيء باب 9 ، 16 ، ومالك في الكلام حديث 27 ، وأحمد في المسند 1 / 4 ، 6 ، 9 ، 10 ، 25 ، 47 ، 48 ، 49 ، 60 ، 162 ، 164 ، 179 ، 191 ، 208 ، 2 / 463 ، 6 / 145 ، 262 . ( 2 ) لفظ الحديث المرفوع عن النبي : « فإذا أنا بابني الخالة عيسى ويحيى » ، وقد أخرجه مسلم في الإيمان حديث 259 ، والنسائي في الصلاة باب 1 .