هو قوله :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
كما سيأتي ، والوهن الضعف ، يقال وهن يهن وهنا ، من باب وعد إذا ضعف فهو واهن في الأمر والعمل والبدن ، ووهنته أضعفته ، يتعدى ؛ ولا يتعدى في لغة فهو موهون البدن والعظم ، والأجود أنه يتعدى بالهمزة ، فيقال أوهنته ، والوهن بفتحتين لغة في المصدر ، ووهن يهن بالكسر فيهما لغة ، وقرىء بالحركات الثلاث ، أراد أن عظامه فترت ورقت ؛ وضعفت قوته من الكبر .
وذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه ، وهو أصل بنائه فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته ، ولأنه أشد ما في الإنسان وأصلبه ، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن .
ووحد العظم قصدا إلى الجنس المفيد لشمول الوهن لكل فرد من أفراد العظام ، وقيل اشتكى سقوط الأضراس .
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
الاشتعال في الأصل انتشار شعاع النار ، فشبه به انتشار بياض شعر الرأس في سواده بجامع البياض والإنارة ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكناية بأن حذف المشبه به ، وأداة التشبيه ، وهذه الاستعارة من أبدع الاستعارات وأحسنها . قال الزجاج : يقال للشيب إذا كثر جدا : قد اشتعل رأس فلان .
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ
أي بدعائي إياك
رَبِّ شَقِيًّا
يقال شقي بكذا أي تعب فيه ، ولم يحصل مقصوده منه ، فالمعنى لم أكن خائفا في وقت من الأوقات ، بل كلما دعوتك استجبت لي ، وهذا توسل بما سلف له من الاستجابة ، وتنبيه على أن المطلوب - وإن لم يكن معتادا - فإجابته لدعائه معتادة ، وقد عوده سبحانه بالإجابة وأطعمه ، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطعمه .
قال العلماء : يستحب للمرء أن يجمع في دعائه بين الخضوع ، وذكر نعم اللّه عليه . كما فعل زكريا ههنا . فإن قوله الماضي غاية الخضوع والتذلل وإظهار الضعف والقصور عن سرد مطالبه وبلوغ مآربه ، وفي هذا ذكر ما عوده اللّه . والإنعام عليه بإجابة أدعيته ، والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع .
وَإِنِّي خِفْتُ
بكسر الخاء
الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي
وقرىء خفت بكسر التاء وفاعله الموالي ، أي قلوا وعجزوا عن القيام بأمر الدين بعدي أو انقطعوا بالموت ، مأخوذ من خفت القوم إذا ارتحلوا ، وهذه قراءة شاذة وبعيدة عن الصواب . والموالي هنا هم الأقارب الذين يرثون وسائر العصبات من بني العم ، ونحوهم ، والعرب تسمي هؤلاء موالي . وقيل هم الناصرون له ، وقيل الكلالة ، وقيل جميع الورثة .
واختلفوا في وجه المخافة من زكريا لمواليه من بعده ، فقيل خاف أن يرثوا ماله وأراد أن يرثه ولده ، فطلب من اللّه سبحانه أن يرزقه ولدا .