وسلوك سبيل الإنصاف ، وقرأ الجمهور لدني مخففا وشددها الباقون ، وعن أبيّ قال :
إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ
مِنْ لَدُنِّي عُذْراً
مثقلة « 1 » . أخرجه أبو داود والترمذي والطبراني وغيرهم . وقرأ الجمهور عذرا بسكون الذال وقرىء بضمها ، وحكى الداني أن أبيا روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بكسر الراء وياء بعدها بإضافة العذر إلى نفسه .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ
قيل هي ( أيلة ) وهي أبعد الأرض من السماء وقيل أنطاكية ، وقيل برقة ، وقيل قرية من قرى أذربيجان ، وقيل قرية من قرى الروم ، وقيل هي بلدة بالأندلس
اسْتَطْعَما أَهْلَها
طلبا منهم الطعام بضيافة ، وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التأكيد أو للتأسيس أو لكراهة اجتماع الضميرين في هذه الكلمة لما فيه من الكلفة أو لزيادة التشنيع على أهل القرية بإظهارهم
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما
أي أن يعطوهما ما هو حق واجب عليهم من ضيافتهما ؛ فمن استدل بهذه الآية على جواز السؤال وحل الكدية فقد أخطأ خطأ بيّنا ومن ذلك قول بعض الأدباء الذين يسألون الناس :
فإن رددت فما في الرد منقصة * عليّ قد ردّ موسى قبل والخضر
وقد ثبت في السنة تحريم السؤال بما لا يمكن دفعه من الأحاديث الصحيحة الكثيرة . عن أبيّ أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ أن يضيفوهما مشددة ، قيل شر القرى التي تبخل بالقرى أي لا تضيف الضيف ، قيل أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعيا لنسائهم ولعنا رجالهم .
فَوَجَدا فِيها
أي في القرية
جِداراً
طوله مائة ذراع وعرضه خمسون ذراعا وامتداده على وجه الأرض خمسمائة ذراع
يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
إسناد الإرادة إلى الجدار مجاز ، قال الزجاج : الجدار لا يريد إرادة حقيقة إلا أن هيئة السقوط قد ظهرت فيه كما تظهر أفعال المريدين القاصدين فوصف بالإرادة ومعنى الانقضاض السقوط بسرعة يقال انقض الحائط إذا وقع وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء .
فَأَقامَهُ
أي فسواه الخضر بيده لأنه وجده مائلا فرده كما كان ، وقيل نقضه وبناه ، وقيل أقامه بعمود ، عن أبيّ بن كعب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم أنه قرأ يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه « قلت » ورواية الصحيحين التي قدمناها أنه مسحه بيده أولى .
قالَ
موسى
لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ
عن أبيّ أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ لتخذت مخففا يقال تخذ فلان يتخذ تخذا مثل اتخذ
عَلَيْهِ أَجْراً
أي على إقامته وإصلاحه ، تحريضا من موسى للخضر على أخذ الجعل والأجرة ليتعيشا به أو تعريضا بأنه فضول ، والأول أولى ، قال الفراء : معناه لو شئت لم تقمه حتى يقرونا فهو الأجر .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الحروف باب 16 ، والترمذي في القرآن باب 3 .