وأقول ينبغي أن ينظر من أين له هذا ، فإن لم يكن مستنده إلا قوله « ولو رآه القوم الخ » فليس ذلك بموجب لما ذكره أما أولا فإن من الجائز أن يفعل ذلك من غير أن يراه أهل السفينة وأهل الغلام لا لكونه لا تراه الأعين ، بل لكونه فعل ذلك من غير اطلاعهم .
وأما ثانيا فيمكن أن أهل السفينة وأهل الغلام قد عرفوه ؛ ويدل عليه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث المتقدم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول ، وعرفوا أنه لا يفعل ذلك إلا بأمر من اللّه كما يفعل الأنبياء فسلموا الأمر للّه . وعن عطاء قال : كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان فكتب إليه إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم ، وفي لفظ ولكنك لا تعلم ، وقد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتلهم فاعتزلهم .
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم عن أبيّ بن كعب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ، ولو أدرك لأرهق بأبويه طغيانا وكفرا » « 1 » .
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 75 إلى 80 ]
قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 75 ) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ( 76 ) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ( 77 ) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ( 78 ) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 )
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً ( 80 )
قالَ
الخضر
أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
زاد هنا لفظ لك لأن سبب العتاب أكثر وموجبه أقوى فقد نقض العهد مرتين ، وقيل زاد لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه ، لك أقول وإياك أعني ، وقيل زاد لعدم العذر هنا تحاملا في الخطاب وتقريعا لموسى .
ولهذا
قالَ
موسى
إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها
أي بعد هذه المرة أو بعد هذه النفس المقتولة
فَلا تُصاحِبْنِي
أي لا تجعلني صاحبا لك ؛ وقرىء تصحبني قال الكسائي : معناه لا تتركني أصحبك ، وقرىء بضم التاء والباء وتشديد النون ؛ نهاه عن مصاحبته مع حرصه على التعلم لظهور عذره .
ولذا قال
قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً
في مفارقتك لي ، يريد أنك قد أعذرت حيث خالفتك ثلاث مرات . وهذا كلام نادم شديد الندامة اضطره الحال إلى الاعتراف
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 29 ، والفضائل حديث 172 ، وأبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في تفسير سورة 18 ، باب 2 ، وأحمد في المسند 5 / 119 ، 121 .