تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
ولما ذكر سبحانه افتخار الكفرة على فقراء المسلمين بأموالهم وعشائرهم وأجابهم عن ذلك وضرب لهم الأمثال الواضحة ، حكى بعض أهوال الآخرة فقال :
وَلَقَدْ صَرَّفْنا
أي كررنا ورددنا وبينا
فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ
أي لأجلهم ولرعاية مصلحتهم ومنفعتهم
مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
من الأمثال التي من جملتها الأمثال المذكورة في هذه السورة ليتذكروا ويتعظوا ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة بني إسرائيل وحين لم يترك الكفار ما هم فيه من الجدل بالباطل ختم الآية بقوله :
وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
أي خصومة في الباطل . قال الزجاج : المراد بالإنسان الكافر ، واستدل عليه بقوله تعالى :
وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ
[ الكهف : 56 ] . وقيل المراد به في الآية النضر بن الحرث ؛ وقيل أراد أبي بن خلف ، والظاهر العموم وأن هذا النوع أكثر شيء يتأتى منه الجدل جدلا ، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عليّ أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم طرقه وفاطمة ليلا فقال ألا تصليان ، فقلت يا رسول اللّه إن أنفسنا بيد اللّه إن شاء أن يبعثنا بعثنا ، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ شيئا ، ثم سمعته يضرب فخذه ويقول :
وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
« 1 » .
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
قد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة بني إسرائيل ، والناس هنا أهل مكة ، والهدى القرآن أو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
المعنى على حذف مضاف ؛ أي ما منع الناس من الإيمان والاستغفار إلا طلب أو انتظار إتيان سنة الأولين ، وإنما احتيج إلى حذف المضاف إذ لا يمكن جعل إتيان سنة الأولين مانعا عن إيمانهم ، فإن المانع يقارن الممنوع ، وإتيان العذاب متأخر عن عدم إيمانهم بمدة كثيرة . وزاد الاستغفار في هذه السورة لأنه قد ذكر هنا ما فرط منهم من الذنوب التي من جملتها جدالهم بالباطل ، وسنة الأولين هو أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا عذاب
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في التهجد باب 5 ، وتفسير سورة 18 ، باب 1 ، والاعتصام باب 18 ، والتوحيد باب 31 ، ومسلم في المسافرين حديث 206 ، وأحمد في المسند 1 / 112 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 230 | صديق الحسيني القنوجي البخاري