تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
لموافقة الفواصل . وقرىء ما كنت على أن الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أي ما كنت يا محمد متخذا لهم عضدا ولا صح لك ذلك ، وفي عضد لغات أفصحها فتح العين وضم الضاد وبها قرأ الجمهور . ثم عاد سبحانه إلى ترهيبهم بأحوال القيامة فقال :
وَ
اذكر
يَوْمَ يَقُولُ
اللّه عز وجل للكفار توبيخا لهم وتقريعا
نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ
أنهم ينفعونكم ويشفعون لكم ، وأضافهم سبحانه إلى نفسه جريا على ما يعتقده المشركون تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا
فَدَعَوْهُمْ
أي فعلوا ما أمرهم اللّه به من دعاء الشركاء واستغاثوا بهم والمعنى على الاستقبال كما هو ظاهر
فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ
ذلك ولم ينصروهم أي لم يقع منهم مجرد الاستجابة لهم فضلا عن أن ينفعوهم أو يدفعوا عنهم .
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ
أي بين هؤلاء المشركين وبين من جعلوهم شركاء للّه أو بين المؤمنين والكفار
مَوْبِقاً
ذكر جماعة من المفسرين أنه اسم واد عميق في جهنم فرق اللّه تعالى به بينهم ؛ وبه قال أنس وزاد : من قيح ودم . وقال ابن عمر : فرق اللّه به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة ، وقيل : هو نهر تسيل منه نار وعلى حافتيه حيات مثل البغال الدهم ، وقيل : الموبق البرزخ البعيد لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان ، وعلى هذا فهو اسم مكان . قال ابن الأعرابي : كل حاجز بين الشيئين فهو موبق ، وقال الفراء : الموبق المهلك ، وبه قال مجاهد وابن عباس ، والمعنى جعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة يقال وبق يوبق فهو وبق هكذا ذكره الفراء في المصادر ، وحكى الكسائي وبق يبق وبوقا فهو وابق ، والمراد بالمهلك على هذا هو عذاب النار يشتركون فيه ، والأول أولى لأن من جملة من زعموا أنهم شركاء للّه الملائكة وعزير والمسيح فالموبق هو المكان الحائل بينهم ، وقال أبو عبيدة الموبق هنا الموعد للهلاك ، وقد ثبت في اللغة أوبقهم بمعنى أهلكهم ولكن المناسب لمعنى الآية هو المعنى الأول .
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ
أي عاينوها من مسيرة أربعين عاما وهو موضوع موضع الضمير للإشارة إلى زيادة الذم لهم بهذا الوصف المسجل عليهم به
فَظَنُّوا
أي أيقنوا
أَنَّهُمْ مُواقِعُوها
أي داخلوها وواقعون فيها ، والمواقعة المخالطة بالوقوع فيها ، وقيل : إن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيظنون ذلك ظنا
وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً
أي معدلا يعدلون إليه أو انصرافا لأن النار قد أحاطت بهم من كل جانب . قال الواحدي : المصرف الموضع الذي ينصرف إليه . وقال القتيبي : أي معدلا ينصرفون إليه ، وقيل ملجأ يلجؤون إليه ، والمعنى متقارب في الجميع .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 54 إلى 57 ]

وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ( 54 ) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً ( 55 ) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً ( 56 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 )