وقد ثبت في صحيح مسلم في سبب نزول الآية المتضمنة لمعنى هذه الآية وهي قوله :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ
[ الأنعام : 52 ] الآية عن سعد بن أبي وقاص قال : كنا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا قال : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمهما فوقع في نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ما شاء اللّه أن يقع فحدث نفسه فأنزل اللّه
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ
« 1 » [ الأنعام : 52 ] الآية .
ثم بيّن سبحانه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ما يقوله لأولئك الغافلين فقال :
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ
أي قل لهم : إن ما أوحي اليّ وأمرت بتلاوته هو الحق الكائن من جهة اللّه لا من جهة غيره حتى يمكن فيه التبديل والتغيير ، وقيل المراد بالحق الصبر مع الفقراء ، قال الزجاج : أي الذي أتيتكم به هو الحق من ربكم يعني لم آتكم به من قبل نفسي إنما أتيتكم به من اللّه ، وعن قتادة قال : الحق هو القرآن .
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
قيل هو من تمام القول الذي أمر رسوله أن يقوله ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، ويجوز أن يكون من كلام اللّه سبحانه لا من القول الذي أمر به رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وفيه تهديد شديد وتخويف وردع لا تخيير وإباحة ، ويكون المعنى قل يا محمد الحق من ربكم ، وبعد أن تقول لهم هذا القول من شاء أن يؤمن باللّه ويصدقك فليؤمن ، ومن شاء أن يكفر به ويكذبك فليكفر .
وقال ابن عباس : يقول من شاء اللّه له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر وهو قوله :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
[ التكوير : 29 ] .
ثم أكد الوعيد وشدده فقال :
إِنَّا أَعْتَدْنا
أي أعددنا وهيأنا
لِلظَّالِمِينَ
الذين اختاروا الكفر باللّه والجحد له والإنكار لأنبيائه
ناراً
عظيمة
أَحاطَ بِهِمْ
أي اشتمل عليهم
سُرادِقُها
واحد السرادقات ، قال الجوهري وهي التي تمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف أي قطن فهو سرادق ، وقيل للحائط المشتمل على شيء سرادق قاله الهروي .
وقال الراغب : السرادق فارسي معرب وليس في كلامهم اسم مفرد ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا يقال بيت مسردق ، وقال ابن الأعرابي : سرادقها سورها ؛ وقال القتيبي : السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط والمعنى أنه أحاط بالكفار سرادق النار على تشبيه ما يحيط بهم من النار بالسرادق المحيط بمن فيه ، وعن ابن عباس قال : حائط من نار .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث 46 .