ورجل يقرأ سورة الحجر أو سورة الكهف فسكت فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم » . وفي الباب روايات . وعن ابن عمر قال : إنهم الذين يشهدون الصلوات الخمس وعن ابن عباس مثله وقيل نزلت في صلاة الصبح وصلاة العصر .
ثم أمره سبحانه بالمراقبة لأحوالهم فقال :
وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ
أي لا تتجاوز إلى غيرهم ، قال الفراء : معناه لا تصرف عينيك عنهم ؛ وقال الزجاج : لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة واستعماله بعن لتضمينه معنى النبو ، من عدوته عن الأمر أي صرفته عنه ، وقال : معناه لا تحتقرهم عيناك عبّر بهما عن صاحبها .
تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
أي مجالسة أهل الترف والشرف والغنى وصحبة أهل الدنيا والمعنى حال كونك مريدا لذلك ، هذا إذا كان فاعل تريد هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كان الفاعل ضميرا يعود إلى العينين فالتقدير مريدة زينة الحياة الدنيا وإسناد الإرادة إلى العينين مجاز وتوحيد الضمير للتلازم والأول أولى ، وهو نهي له صلّى اللّه عليه وسلّم وإن لم يرده وليس هو أكبر من قوله :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 65 ] وإن كان أعاذه من الشرك وإنما هو على فرض المحال .
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ
أي جعلناه غافلا
عَنْ ذِكْرِنا
بالختم عليه نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن طاعة من جعل اللّه قلبه غافلا عن ذكره كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحي الفقراء عن مجلسه فإنهم طالبوا تنحية الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وهم غافلون عن ذكر اللّه .
وَ
مع هذا فهم ممن
اتَّبَعَ هَواهُ
وآثره على الحق فاختار الشرك على التوحيد
وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
أي متجاوزا عن حد الاعتدال من قولهم فرس فرط إذا كان متقدما على الخيل فهو على هذا من الإفراط ، وقيل هو من التفريط وهو التقصير والتضييع والأول أظهر .
قال الزجاج : ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه . وعن ابن عباس قال :
نزلت في أمية بن خلف وذلك أنه دعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أمر كرهه اللّه من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة فأنزل اللّه هذه الآية يعني من ختمنا على قلبه يعني التوحيد واتبع هواه يعني الشرك وكان أمره فرطا يعني فرطا في أمر اللّه وجهالة به .
وعن ابن بريدة قال : دخل عيينة بن حصن على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في يوم حار وعنده سلمان عليه جبة صوف فثار منه ريح العرق في الصوف فقال عيينة : يا محمد إذا نحن أتيناك فأخرج هذا وضرباءه من عندك لا يؤذينا فإذا خرجنا فأنت وهم أعلم فأنزل اللّه
وَلا تُطِعْ
الآية .