تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
ومعنى عجبا ذات عجب ، والكهف هو الغار الواسع في الجبل ، فإن كان صغيرا سمي غارا والجمع كهوف في الكثرة وأكهف في القلة ؛ والرقيم قال كعب والسدي : إنه اسم القرية التي خرج منها أصحاب الكهف ، وقال سعيد بن جبير ومجاهد : إنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف ففيه فلان بن فلان من مدينة كذا خرج في وقت كذا من سنة كذا . قال الفراء : ويروى أنه إنما سمي رقيما لأن أسماءهم كانت مرقومة والرقم الكتابة . وعن قتادة أن الرقيم دراهمهم التي كانت معهم . وقال ابن عباس : الرقيم كتاب مرقوم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى عليه السلام ، وقيل إن الرقيم اسم كلبهم قاله أنس ، وقيل : هو اسم الوادي الذي كانوا فيه ، وقيل اسم الجبل الذي فيه الغار . قال الزجاج : أعلم اللّه سبحانه أن قصة أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات اللّه لأن خلق السماوات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم ، وقال ابن عباس : يقول الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم .
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ
أي صاروا إليه ونزلوه وسكنوه والتجؤوا إليه وجعلوه مأواهم . يقال أوى إلى منزله من باب ضرب إذا نزله بنفسه وسكنه والمأوى لكل حيوان مسكنه . والفتية هم أصحاب الكهف جمع فتى وهو الطري من الشباب ، إظهار في مقام الإضمار للتنصيص على وصفهم وسنهم فكانوا سن الشباب مردا وكانوا سبعة خرجوا من مدينتهم خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار حيث أمروهم بعبادة غير اللّه وكذلك ملك المدينة أمرهم بما ذكر ، واسمه دقيانوس ومدينتهم اسمها أفسوس عند أهل الروم لأنها من مدائنهم واسمها عند العرب طرسوس . فلما أمروهم بعبادة غير اللّه ذهب كل واحد منهم إلى بيت أبيه وأخذ منه زادا ونفقة وخرجوا فارين هاربين حتى أووا إلى كهف في جبل قريب من المدينة فاختفوا فيه وصاروا يعبدون اللّه ويأكلون ويشربون ويبعثون أحدا منهم خفية ليشتري لهم الطعام من المدينة وهم خائفون من اطلاع أهل المدينة عليهم فيقتلوهم لعدم دخولهم في دينهم ، فجلسوا يوما بعد الغروب يتحدثون فألقى اللّه عليهم النوم وذلك قوله تعالى :
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ
[ الكهف : 11 ] الخ كما سيأتي تفصيله .
فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ
أي من عندك
رَحْمَةً
التنوين إما للتعظيم أو للتنويع وتقديم من لدنك للاختصاص أي رحمة مختصة بأنها من خزائن رحمتك وجلائل فضلك وهي المغفرة في الآخرة والأمن من الأعداء والرزق في الدنيا
وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً
أي أصلح لنا من قولك هيأت الأمر فتهيأ والمراد بأمرهم الأمر
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 192 | صديق الحسيني القنوجي البخاري