ثم فصل سبحانه ما أجمل في قوله [ قيّما ] فقال :
لِيُنْذِرَ
وحذف المنذر للعلم به مع قصد التعميم ، والمعنى لينذر الكافرين
بَأْساً
أي عذابا
شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ
أي صادرا من عنده نازلا من لدنه
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ
قرىء يبشر مشددا ومخففا وأجري الموصول على موصوفه المذكور لأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان .
أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً
هو الجنة قال السدي حال كونهم
ماكِثِينَ فِيهِ
أي في ذلك الأجر
أَبَداً
أي مكثا دائما لا انقطاع له ، وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر الكفار .
ثم كرر الإنذار وذكر المنذر بخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره فقال :
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
وهم اليهود والنصارى . قال السدي وبعض كفار قريش القائلين بأن الملائكة بنات اللّه ، فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار ، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئياتها ، فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى اللّه سبحانه أقبح أنواع الكفر .
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 5 إلى 10 ]
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ( 5 ) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ( 7 ) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( 8 ) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ( 9 )
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ( 10 )
ما لَهُمْ بِهِ
أي بالولد واتخاذ اللّه إياه
مِنْ عِلْمٍ
ومن مزيدة لتأكيد النفي والجملة مستأنفة ، والمعنى ما لهم بذلك علم أصلا ، وانتفاء العلم بالشيء إما للجهل بالطريق الموصل إليه أو لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به
وَلا لِآبائِهِمْ
أي ولا لأحد من أسلافهم علم بذلك ، بل كانوا في زعمهم هذا على ضلالة وقلدهم أبناؤهم فضلوا جميعا ، وهذا مبالغة في كون تلك المقالة فاسدة باطلة .
كَبُرَتْ كَلِمَةً
قال الفراء : كبرت تلك الكلمة كلمة . وقال الزجاج : كبرت مقالتهم كلمة ، والمراد بهذه الكلمة هي قولهم اتخذ اللّه ولدا ، ومعنى الكلام على التعجب أي ما أكبرها كلمة ، ثم وصف الكلمة بقوله :
تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
وفائدة هذا الوصف استعظام اجترائهم على التفوه بها ، وكثيرا ما يوسوس الشيطان في قلوب الناس من المنكرات ما لا يتمالكون أن يتفوهوا به ، بل يكظمون عليه فكيف بمثل هذا المنكر .
والخارج من الفم وإن كان مجرد الهواء لكن لما كانت الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء أسند إلى الحال ما هو من شأن المحل أو المعنى هذا الذي