وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في التاريخ وابن مردويه عن ابن عمر قال : تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية فقلت : ما معنى ذلك يا رسول اللّه قال : « ليبلوكم أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم اللّه وأسرعكم في طاعة اللّه » .
ثم أعلم سبحانه أنه مبيد لذلك كله ومفنيه فقال :
وَإِنَّا لَجاعِلُونَ
أي مصيرون
ما عَلَيْها
من هذه الزينة عند تناهي عمر الدنيا
صَعِيداً
ترابا قال أبو عبيدة :
الصعيد المستوي من الأرض ، وقال الزجاج : هو الطريق الذي لا نبات فيه بعد أن كانت خضراء معشبة أي أرضا ملساء ، وقيل فتاتا وهو الذي يضمحل بالريح لا اليابس الذي يرسب ، ونظيره
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[ الرحمن : 26 ] وقوله :
فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً
[ طه : 106 ، 107 ] .
والمعنى أنه لا بد من المجازاة بعد إفناء ما على الأرض ، وتخصيص الإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض إلا أن سائر الآيات دلت أيضا على أن الأرض لا تبقى وهو قوله :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
[ إبراهيم : 48 ] قال قتادة : الصعيد الجبال التي ليس فيها زرع .
جُرُزاً
يابسا قال الفراء : الجرز الأرض التي لا نبات فيها من قولهم امرأة جروز إذا كانت أكولا ، وسيف جراز إذا كان مستأصلا وجرز الجراد والشاة والإبل الأرض إذا أكلت ما عليها ، ويقال سنة جرز وسنون أجراز لا مطر فيها وأرض جرز وأرضون أجراز لا نبات بها ، وجرزا نعت ل « صعيدا » فكأنه مجاز علاقته المجاورة .
وعن الحسن الجرز الخراب ، أي نعيدها بعد عمارتها خرابا بإماتة الحيوان وتجفيف النبات والأشجار وغير ذلك . ومعنى النظم القرآني لا تحزن يا محمد بما وقع من هؤلاء من التكذيب فإنا قد جعلنا ما على الأرض زينة لاختبار أعمالهم وإنا لمذهبون ذلك عند انقضاء عمر الدنيا فمجازونهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
أَمْ حَسِبْتَ
أي بل أحسبت أو بل حسبت ومعناها الانتقال من حديث إلى حديث آخر لا لإبطال الأول والإضراب عنه كما هو معني بل في الأصل
أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً
المعنى أن القوم لما تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم على سبيل الامتحان .
قال سبحانه بل أظننت يا محمد أنهم كانوا عجبا من آياتنا فقط لا تحسب ذلك ، فإن آياتنا كلها عجب ؛ فإن من كان قادرا على جعل ما على الأرض زينة لها للابتلاء ثم جعل ما عليها صعيدا جرزا كأن لم تغن بالأمس لا تستبعد قدرته ولا حفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة وإن كانت قصتهم خارقة للعادة فإن آيات اللّه سبحانه كذلك وفوق ذلك .