يقولونه لا تحكم به عقولهم وفكرهم البتة لكونه في غاية الفساد والبطلان ، فكأنه يجري على لسانهم على سبيل التقليد .
ثم زاد في تقبيح ما وقع منهم فقال :
إِنْ
أي ما
يَقُولُونَ إِلَّا
قولا
كَذِباً
لا مجال للصدق فيه بحال . ثم سلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ
قال الأخفش والفراء : البخع الجهد ، وقال الكسائي : بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة ، وبخع الرجل نفسه إذا أنهكها وقال أبو عبيدة : معناه مهلك نفسك أو مضعفها أو مهلكها ، والمقصود من هذا الترجي النهي ، أي لا تبخع نفسك من أجل غمك على عدم إيمانهم ، أي لا تغتم لئلا تهلك نفسك .
وفي السمين ولعل قيل للإشفاق على بابها وقيل للاستفهام وهو رأي الكوفيين ، وقيل للنهي
عَلى آثارِهِمْ
أي على فراقهم من بعد توليهم عنك وإعراضهم أو هلاكهم
إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ
أي القرآن
أَسَفاً
أي غيظا وحزنا . قاله قتادة . وقال مجاهد : جزعا ونصبه على المفعول له وجواب إن محذوف دل عليه الترجي تقديره فلا تحزن ، وهذا عند الجمهور وعند غيرهم هو جواب متقدم .
عن ابن عباس قال : اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية بن خلف والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأبو البختري في نفر من قريش وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه وإنكارهم ما جاء من النصيحة فأحزنه حزنا شديدا فأنزل اللّه سبحانه
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ
. الآية .
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها
هذه الجملة تعليل للنهي المقصود من الترجي والقصد منه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وتسكين أسفه وغيظه على عدم إيمانهم لأنه مختبر لأعمال العباد مجازيهم ، فكأنه يقول له صلّى اللّه عليه وسلّم لا تحزن فإني منتقم منهم لك ، وقيل استئناف .
والمعنى إنا جعلنا ما عليها مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من الحيوانات والنبات والشجر والأنهار والجماد وغير ذلك من النعم كالذهب والفضة والمعادن كقوله سبحانه :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : 29 ] قال ابن عباس : يعني الرجال والعلماء زينة الأرض ، وعن سعيد بن جبير مثله ، وقال الحسن :
هم الرجال العباد العمال للّه بالطاعة .
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
اللام للغرض أو العاقبة ، والمراد بالابتلاء أنه سبحانه يعاملهم معاملة لو كانت تلك المعاملة من غيره لكانت من قبيل الابتلاء والامتحان ، قال الزجاج : أيهم رفع بالابتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحنن أهذا أحسن عملا أم ذلك ، قال الحسن : أيهم أزهد وأشد للدنيا تركا ، ومثله عن الثوري وقال مقاتل : أيهم أصلح فيما أوتي من المال ، وقال قتادة : أيهم أتم عقلا .