تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
يقال مثلك لا يفعل كذا أي أنت لا تفعله ، أو أنه تعالى قادر على أن يخلق عبيدا يوحدون ويقرون بكمال حكمته وقدرته ، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة وعلى هذا فهو كقوله :
يَأْتِ بِخَلْقٍ
[ فاطر : 16 ]
وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
[ التوبة : 39 ] وعلى القول الأول يكون الخلق بمعنى الإعادة وعلى هذا القول هو على حقيقته ، والمعنى قد علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم لأنهم ليسوا بأشد خلقا منها كما قال
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ
[ النازعات : 27 ] . قال الواحدي : والأول أشبه .
وَجَعَلَ لَهُمْ
أي لبعثهم
أَجَلًا
أي وقتا محققا لعذابهم
لا رَيْبَ
أي غير مرتاب
فِيهِ
وهو الموت أو القيامة ، ويحتمل أن يكون الواو لاستئناف . وقيل في الكلام تقديم وتأخير ، أي أو لم يروا أن اللّه الذي خلق السماوات والأرض وجعل لهم أجلا لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم
فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً
أي أبى المشركون إلا جحودا للأجل وعنادا مع وضوح الليل . وفيه وضع الظاهر موضع المضمر للحكم عليهم بالظلم ومجاوزة الحد ، ثم لما وقع من هؤلاء الكفار طلب اجراء العيون والأنهار في أراضيهم لتتسع معايشهم بيّن اللّه سبحانه أنهم لا يقنعون بل يبقون على بخلهم وشحهم فقال :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 100 إلى 104 ]

قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً ( 100 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ( 101 ) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ( 102 ) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ( 103 ) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ( 104 )
قُلْ
لهم شرحا لحالهم التي يدعون خلافها
لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ
تقديره لو تملكون أنتم لأن
لَوْ
تدخل على الأفعال دون الأسماء فلا بد من فعل بعدها ؛ وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب ، وأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن في حذف الفعل الذي ارتفع به أنتم وإبراز الكلام في صورة المبتدأ والخبر دلالة على أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ فلا ينافي قوله تعالى
لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ المائدة : 36 ] الآية . لأن ذلك في الآخرة .
خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي
هي خزائن الأرزاق
إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ
أي لبخلتم وحبستم في دار الدنيا . قال الزجاج : أعلمهم اللّه أنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق والنعم لأمسكوا شحا
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 179 | صديق الحسيني القنوجي البخاري