تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
وقد أعطي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله مثل القرآن وانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه وما أشبهها وليست بدون ما اقترحوه ، بل أعظم منه ولكن لم يكن قصدهم طلب الدليل بل كانوا متعنتين ثم حكى سبحانه شبهة أخرى قد تكرر في الكتاب العزيز التعرض لإيرادها وردها في غير موضع فقال :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا
المراد الناس على العموم ، وقيل أهل مكة على الخصوص أي ما منعهم الإيمان بالقرآن ونبوة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم
إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
أي الوحي من اللّه سبحانه على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وبيّن ذلك لهم وارشدهم إليه أي ما منعهم وقت مجيء الهدى أن يؤمنوا بالقرآن والنبوة
إِلَّا أَنْ قالُوا
أي ما منعهم إلا قولهم
أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
الهمزة للإنكار منهم أن يكون الرسول من جنس البشر . والمعنى أن هذا الاعتقاد الشامل لهم هو الذي منعهم عن الإيمان بالكتاب وبالرسول وعبر عنه بالقول للإشعار بأنه ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم . ثم أمر سبحانه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجيب عن شبهتهم هذه فقال :
قُلْ لَوْ كانَ
أي لو وجد وثبت
فِي الْأَرْضِ
بدل من فيها من البشر
مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ
على الأقدام كما يمشي الأنس
مُطْمَئِنِّينَ
مستقرين فيها ساكنين بها ، قال الزجاج مستوطنين في الأرض أي لا يظعنون عنها إلى السماء ومعنى الطمأنينة السكون فالمراد ههنا المقام والاستيطان فإنه يقال سكن البلد فلان إذا أقام فيها وإن كان ماشيا متقلبا في حاجاته .
لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
حتى يكون من جنسهم ويمكنهم مخاطبته والفهم عنه ، وفيه اعلام من اللّه سبحانه بأن الرسل ينبغي أن يكونوا من جنس المرسل إليهم فكأنه اعتبر في تنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين : الأول : كون سكان الأرض ملائكة . والثاني : كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا إليها وسمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا تكون في بعثة الملائكة إليهم فائدة . ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد فقال :
قُلْ
لهم يا محمد من جهتك
كَفى بِاللَّهِ
وحده
شَهِيداً
على ابلاغي إليكم ما أمرني به من أمور الرسالة وقال
بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
ولم يقل بيننا تحقيقا للمفارقة الكلية ، وقيل إن اظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من اللّه له على الصدق ثم علّل كونه سبحانه شهيدا كافيا بقوله :
إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً
أي عالما بجميع أحوالهم محيطا بظواهرها وبواطنها
بَصِيراً
بما كان منها وما يكون وفيه تهديد لهم وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 97 إلى 99 ]

وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً ( 97 ) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 98 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً ( 99 )